الجمعة، 14 أغسطس، 2009

بحث عن: العلاقات الاثيوبية الاسرائيلية واثرها على الامن القومى المصرى




أثر العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية
علي الأمن القومي المصري
في الفترة ما بين 1995 وحتى 2008


إعداد / أمانى محمد أحمد إبراهيم
الفرقة / الرابعة
قسم / علوم سياسية
شعبة / عربى
فرعي/ إدارة عامة


تحت إشراف
د / محمد محمد حسين مصطفى

المقدمة

لقد افتقدت مصر الشعور بالأمن لسنوات عديدة، وخلال هذه السنوات اختلف مفهوم الأمن ودرجاته، وأتساءل هل سيأتي يوم تشعر فيه مصر أو غيرها من مثيلاتها بالأمن ولو بدرجة منخفضة من هذا المطلب، أعتقد أن مطلب الأمن صعب التحقيق في ظل هذه الظروف التي نعيشها ما بين اقتصاد راكد، ومستوي معيشي هابط، وأخلاق متدنية، وسلوكيات متأخرة، فالأمن شعور غالي الثمن لذلك لا بد من أن نمتلك ثمنه أولاً قبل أن نفكر في شرائه. فهل لدينا المبلغ المطلوب؟ !!! هناك دول ـ غيرنا بالطبع ـ لديها المبالغ ؛ بل لديها ما يفوق ثمن الأمن مما يجعلها تنظر إلي ما هو أعلي وأغلي" الهيمنة" فأصبح الأمن بالنسبة لها لا يشكل ثمنا في الوقت الذي تتهافت فيه غيرها من الدول إلي شراء ولو القليل من هذا المطلب.

شهدت مصر في الفترة الأخيرة نقاشاً واسع النطاق حول الأمن القومي، وتطبيقاته في مجالات مختلفة، ولم يكن من الصعب فهم الدوافع التي قادت إلي هذا النقاش أو الجدية التي اتسم بها في كثير من جوانبه، فالمنطقة المحيطة بمصر تشهد حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار، وهناك احتمالات سيئة يتم طرحا بشأن احتمالات تطور كثير من الأزمات الإقليمية، كما أن الداخل المصري يشهد تفاعلات بدا أحيانا أنها مفاجئة، وفي كل الأحوال كانت هناك انعكاسات لتلك الأوضاع الخارجية أو الداخلية علي مصالح مصر القومية. المشكلة أن النقاش حول أمن مصر القومي قد سار في اتجاهات مختلفة ، فهناك من لا يزال يركز علي المفاهيم الضيقة القديمة الخاصة بالأبعاد الخارجية العسكرية له، وهناك من يقوم بتوسيعه إلي حدود تشمل كل قضايا الدولة والمجتمع تقريبا، وفي الحالتين كانت هناك مبررات محددة لكل طرف ، فالتوترات الحالية في البيئة الاستراتيجية قد حولت معظم المخاطر الي تهديدات ، كما حولت كثير من القضايا إلي أزمات، علي نحو يتطلب إعادة التفكير مرة أخري فيما يقصد بالضبط بالأمن القومي لمصر، وأبعاده المختلفة، ومصادر تهديده، في ظل المتغيرات الراهنة.



مشكلة الدراسة:ـ
تستهدف السياسة الإسرائيلية تهديد الأمن العربي والمصري علي مر السنين وفي كثير من المواضع، لذا عندما نحدد تاريخ معين بدأت فيه المشكلة بالظهور سنجد أن العديد من المشكلات قد اندفعت منذ بداية وجود هذا الكيان الإسرائيلي في قلب الوطن العربي.
ومع بداية العلاقات الأثيوبية الإسرائيلية والتي يرجع تاريخها إلي خمسينيات القرن الماضي والتي تطورت وازدادت في عام 1984 في عهد " منجستو هيلا ماريام" الذي ساهم في تلبية الرغبة الإسرايلية في ترحيل الفلاشا الي إسرائيل لتصل العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية إلي أعلي درجاتها حتي الان، مما يثير القلق والإرباك لدي العديد من دول المنطقة وخصوصا مصر. ونتيجة لهذه العلاقات الحارة بين البلدين في العديد من المجالات؛ أجد نفسي أمام سؤالاً رئيسيا آلا وهو:ـ
ما هو أثر العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية علي الأمن القومي المصري في الفترة ما بين 1995 وحتي الان؟

وأفترض افتراضاً رئيسيا آلا وهو:ـ
أنه كلما زادت العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية وتطورت كلما زاد التأثير علي الأمن القومي المصري سلبياً نتيجة هذه العلاقات.
ونجد أن العلاقة طردية فكلما زادت العلاقات زاد التاثير علي الأمن القومي المصري.
ولكننا نجد أن هذا التأثير إنما هو تأثير سلبي حيث كلما زادت العلاقات وقويت كلما هدد ذلك الأمن القومي المصري وأربكه.
*تساؤلات فرعية:ـ
هناك عدة تساؤلات قد طرحت بذهني عند تناول هذا الموضوع هذه التساؤلات هي:ـ
ـ ما هو مفهوم الأمن القومي بالنسبة لمصر؟
ـ إلي أي مدي تمتد العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية؟
ـ هل تؤثر العلاقات الاقتصادية الإثيوبية الإسرائيلية علي الأمن القومي المصري؟
ـ ماذا عن علاقات التسلح بين البلدين، وهل تؤثر علي الأمن القومي المصري ؟
ـ هل تؤثر العلاقات الأمنية والمائية بين البلدين علي الأمن القومي المصري؟
هذه التساؤلات وغيرها سوف تتضح من خلال الدراسة ، ولكننا نفترض عدة فروض فرعية لهذه التساؤلات وسوف نتبين مدي صحتها من خلال الدراسة حيث:ـ
نفترض أنه بالفعل هناك علاقات قوية بين إثيوبيا وإسرائيل ، حيث تمتد هذه العلاقات لتشمل جوانب اقتصادية وأمنية وتسليحية ومائية، مما يؤثر سلبياً علي الأمن القومي المصري .

أهمية الدراسة:ـ
تكمن أهمية هذه الدراسة في معرفة أهداف إسرائيل الاستراتيجية في أفريقيا، حيث أن وجود اسرائيل في إثيوبيا هو تحوط للمستقبل، فضلاً عن إمكان إحراز كثير من النجاحات من خلال التعاون مع دول القارة وبخاصة إثيوبيا، كما أنها تكشف النقاب عن مفهوم الأمن القومي ، وماذا فعلت مصر لضمان امنها القومي بالنسبة للجنوب؟ وهل نسيت مصر الإمداد الحيوي والاستراتيجي لها تاركةً إسرائيل تفعل ما تشاء وتلعب بشرايين الدم المصري وهو نهر النيل؟ ،وهل مصر تركت إثيوبيا تستفحل علي جيرانها من خلال منابع النيل؟ . فمن خلال الإجابة علي هذه التساؤلات ربما نستطيع أن نتوقع ما تسعي إليه إسرائيل في المستقبل القريب.

نطاق الدراسة:ـ
المكان:ـ إثيوبيا ( منابع النيل)، باعتبارها الدولة التي تسعي كل من مصر وإسرائيل إلي كسب ودها؛ فهي نقطة الارتكاز التي تحاول إسرائيل أن تلتف حولها للوصول إلي أهدافها ومصالحها الأساسية التي طالما سعت إلي تحقيقها.

الزمان :ـ منذ 1995 وهي محاولة إغتيال الرئيس المصري " محمد حسني مبارك " في أديس أبابا بأثيوبيا، مما أدي إلي إحداث توترات في العلاقات وطرح العديد من التساؤلات حول منْ وراء هذا الحادث، وتم اتهام العديد من الأطراف منها السودان وبالطبع كان من ضمن دائرة الإتهام دولة إثيوبيا التي دارت حولها الشكوك ومدي ضلوعها في هذا الحادث وهل لهذا الحادث علاقة بملف المياة التي طالما تفتحة أثيوبيا؟

أما الأن فنري أن ثمة ظاهرة وجدت علي الساحة ألا وهي ظاهرة هجرة يهود الفلاشا من إثيوبيا إلي إسرائيل، وهذه ليست هي المرة الأولى ، كذلك ظهور عمليات القرصنة التي تهدد طريق التجارة، وتؤدي إلي العديد من الخسائر لعديد من الدول التي تطل علي الساحل الأفريقي، وما يحدث في السودان من محاولات لتفكيكه وتفتيت وحدته.
المجال:ـ هو مجال العلاقات الدولية، ومن خلال الدراسة سنتعرض لثلاث علاقات متشابكة، أولها وأهمها العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية، وثانيها العلاقات الإثيوبية المصرية، وثالثها العلاقات المصرية الإسرائيلية، إلا أن التركيز سينصب حول العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية.

منهج الدراسة:ـ
من خلال البحث سنتعرض لسرد العديد من الوقائع التاريخية، لذا سوف نتبع" المنهج التاريخي" حيث أنه لا يكتفي بسرد الوقائع وتكدسها، ولكنه يقدم تصوره للظروف والمحيط الذي يتحكم في ميلاد الظواهر أو اندثارها، ويحاول أن يصل إلي إيجاد القوانين التي تحكمت في ذلك، فلقد تطور المنهج التاريخي من كونه سارداً للأحداث ومجمعاً للمعلومات إلي مفسراً للأحداث وساعٍ إلى بناء أطر للتفسير والتحليل من خلال الربط بين الواقعة التاريخية والوضع السائد في تلك الحقبة.
وحتي يصل الباحث إلي الأدلة التاريخية التي يمكن الاعتماد عليه ،فإن عليه تقييم البيانات والمعلومات التاريخية، ونقد الوثائق والسجلات المختلفة ـ يسمي تقييم هذه البيانات بالنقد التاريخي ـ فإذا ما ثبت صحتها وموثوقيتها تصبح بمثابة أدلة تاريخية يستند إليها في البحث، وتعتبر أساسا صادقا لاختيار الفروض، وقاعدة رصينة يتابع استناداً إليها خطوات بحثه المتتالية وصولاً إلي نتائج محددة.
ويجري النقد التاريخي ـ أي تقييم الوثائق التاريخية والبيانات والمعلومات ـ في إطار المنهج التاريخي علي مرحلتين عادة، الأولى النقد الخارجى والثانية النقد الداخلي، ويقصد بالنقد الخارجي أن يتأكد الباحث من أصالة البيانات وخلوها من أي زيف فيحاول الباحث في هذه المرحلة التحقق من عمر الوثيقة أو المستند ومن كاتبها.

ويلاحظ هنا بالنسبة للمنهج التاريخي في البحوث السياسية:ـ
1ـ أن الوثائق السياسية أكثر عرضة للتزوير والتشويه من غيرها.
2ـ من الممكن أن يجد الباحث وثائق ومراسلات وسير ذاتية كتبها أشخاص وقعوا عليها بأسمائهم وأخري لم يوقع عليها أحد.
والحقيقة أن كشف التزوير والتشويه يكاد يكون أمراً بالغ الصعوبة خصوصاً إذا لم توجد سوي نسخة واحدة من الأصل أمكن للباحث الوصول إليها دون غيرها، فمقارنة أكثر من نسخة من الوثيقة الواحدة له أهميته.
ويقصد بالنقد الداخلي للوثيقة فيتناول صدق الأدلة التاريخية من حيث الموضوع وليس من حيث الشكل ، إنه ينصرف إلي تقييم دقة البيانات والمعلومات الواردة في الوثيقة التي ثبت أصالتها وصدقها من خلال النقد الخارجي.
فالبيانات والوثائق رغم إنها أصلية ،لا تحريف أو تشويه أو تزوير فيها، إلا إنها قد لا تعطي صورة واضحة للوقائع والأحداث. فالنقد الداخلي معناه تحقق الباحث من مدلول المعاني الحقيقية التي تتضمنها الوثيقة، والمقصود بالكلمات والعبارات والمفردات التي وردت فيها.
يلخص أحد الكتاب الانتقادات الموجهة إلي المنهج التاريخي والصعوبات في ان وقائع الماضي لا يتذكر أولئك الذين سجلوه سوي جزء منه، ولم يسجلوا سوي جزء مما تذكروه ،ولم يبقي من الزمن سوي جزء مما سجلوه، ولم يسترع نظر المؤرخين سوي جزء مما تبقي مع الزمن، وجزء فقط مما يسترعي نظر المؤرخين يكون صادقا، وما يمكن فهمه هو جزء فقط مما هو صادق، وجزء فقط مما يمكن فهمه وتفسيره، يستند إليه الباحث السياسي في بحثه.
وأيضا سننتهج " منهج تحليل النظم" من خلال محاولة تحليل وتفسير الحياة السياسية من منظور نظمي يقسم العملية السياسية إلي مدخلات ومخرجات تحويلية وتغذية مرتدة.
يقوم اقتراب تحليل النظم لـ" ديفيد ايستون" علي فروض أساسية أهمها:ـ
1ـ النظام السياسي كوحدة التحليل الرئيسية ويضم وحدات أو أنظمة فرعية، ويشهد عملية التحويل بمعني التفاعلات والعلاقات والأنشطة التي تتحول من خلالها المدخلات والمؤثرات في بنية النظام وأنسجته إلي مخرجات وقرارات وسياسات.
2ـ المدخلات والمخرجات للنظام ، والذي يقع ضمن بيئة يفصله عنها وعن النظم الاخري " حدود" فصلاً تحليلياً أو نظرياً.
3ـ التغذية الراجعة كعملية تربط المكونات الثلاثة : المدخلات والمخرجات والبيئة من جهة ، وتقوم بعملية الإبقاء علي النظام وحفظ وجوده واستمراريته من جهة أخري.
ولم يقدم ايستون قواعد للاستدلال تسمح بتحديد واضح يخلو من الغموض حول عناصر النظام وأعضائه وحدوده وبيئته، ورغم ذلك فإن كتابات ايستون وتحليلاته تمثل أهمية خاصة، وعلامة بارزة في تطور دراسة السياسة المقارنة وعلم السياسة عامة. 
وسيتم عرض البحث من خلال الجانبين المنهجيين ألا وهما المنهج التاريخي ومنهج تحليل النظم، حيث سيتم العرض لعديد من الوقائع التاريخية التي تربط بين العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية من ناحية، والعلاقات الإثيوبية المصرية من ناحية أخري، بالإضافة إلي الجانب التحليلي للحياة السياسية في كل دولة علي حدة حسب الوقائع التاريخية التي سيتم رصدها وتحليلها نحو نظرة تفسيرية أعمق وأوضح محاولة للوصول إلي أحق الحقائق.


تقسيم الدراسة


الفصل الأول:ـ الأمن القومي المصري
المبحث الأول : مفهوم الأمن القومي وتعريفاته
المبحث الثاني : الأمن القومي المصري وحدوده

الفصل الثاني: العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية
المبحث الاول: نبذة تاريخية عن العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية
المبحث الثاني :ـ قضايا محددة في هذه العلاقات
أ ـ قضية المياه
ب ـ قضايا اقتصادية
جـ ـ قضايا أمنية وتسليحية.

الفصل الثالث : تأثير العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية علي الأمن القومي المصري
المبحث الأول : تهديد الأمن القومي المصري
المبحث الثاني :ـ تهديد الأمن( المائي والغذائي) القومي المصري



الفصل الأول
الأمن القومي المصري


المبحث الأول
مفهوم الأمن القومي المصري وتعريفاته

ظهر مصطلح الأمن القومى national security كنتيجة لقيام الدولة القومية فى القرن السادس عشر الميلادي وتلته مصطلحات أخرى مثل المصلحة القومية والإدارة الوطنية وأول تعريف حديث للأمن القومى كقدرة الدولة على حماية أراضيها وقيمها الأساسية والجوهرية من التهديدات الخارجية وبخاصة العسكرية منها باعتبار أن تأمين أراضى الدولة ضد العدوان الأجنبي وحماية مواطنيها ضد محاولات إيقاع الضرر بهم وبممتلكاتهم ومعتقداتهم وقيمهم ومع تطور مفهوم قدرة الدولة أتسع مفهوم الأمن القومي إلى القدرة الشاملة للدولة والمؤثرة على حماية قيمها ومصالحها من التهديدات الخارجية والداخلية.
الأمن القومى هو عبارة عن مجموعة الإجراءات التى تلتزم بها الدولة أو مجموعة الدول لضمان أمنها واستقلالها وسيادتها فى المجتمع الدولى ، بما يتواءم والتزاماتها الدولية سياسياً وجغرافياً وتاريخياً لتحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية وتدعيم القوة العسكرية لشعوبها لتصل إلى المكانة المرموقة فى المجتمع الدولى بناء على تخطيط علمى مدروس يحقق الغايات والأهداف المرجوة ومن هنا يمكن القول بأن دراسة سياسات الأمن القومى للدول تتطلب البحث فى أربعة عناصر محددة وهى :ـ
1) أدراك مصادر تهديد الأمن القومى
2) حساب القوة القومية للدولة
3) مؤسسات صنع السياسات الأمنية
4) استراتيجيات تحقيق الأمن القومى

للأمن القومى تعريفات مختلفة في علم السياسة باختلاف البيئات والمدارس والظروف المحيطة والمراحل التاريخية .فمن وجهة نظر دائرة المعارف البريطانية فإن الأمن هو (حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية ) ويرى هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى الأسبق أن الأمن (أى تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه فى البقاء ) وبالرجوع إلى نظريات ومدارس قديمة مثل ما ذكره الفيلسوف هوبز أو نظيره ميكافيللى فإن مفهوم الأمن القومى بمفهومه الشامل لا يمكن نشوءه ونجاحه إلا فى ظل حكم ديمقراطى حقيقى .
إن أبسط تعريف للأمن القومى ( هو ما تقوم به الدول للحفاظ على سلامتها ضد الأخطار الخارجية أو الداخلية التى قد تؤدى بها إلى الوقوع تحت سيطرة أجنبية نتيجة ضغوط خارجية أو انهيار داخلى . ويؤدى حفظ الأمن إلى تحقيق الدولة أهدافها الإستراتيجية القومية مع الأخذ بعين الإعتبار المتغيرات الدولية المحيطة بها وللأمن عناصر منها كيان الدولة وفكرة قيامها وهما عنصران معنويان .
أما العنصر المادى فهو سكان الدولة ومواردها الإقتصادية ، وهو أكثر العناصر قابلة للتهديد ، فهو مكشوف سريع العطب ، بعكس العنصر المعنوى المتمثل فى كيان الدولة ومؤسساتها التى لابد من تقويتها لحفظ التماسك الداخلى .
الأمن القومى يشير إلى المنعة القومية أو بتعبير أبسط هو درجة عالية من المناعة التى تحمى وتصون مقدرات البلاد من الأخطار ، والمقدرات تشمل أولاً :ـكيان الدولة (والرموز الدالة على وجودها كالدستور والعلم والشعار الوطنى والعملة الوطنية ) ويضم الإقليم بحدوده المعروفة ، والهوية الوطنية واستقرار النظام السياسى ، ثم السيادة الوطنية فى الداخل وتعنى السيطرة التامة للدولة على كامل ترابها وعلى من يعيشون على هذا التراب ، وفى الخارج تشير إلى وقوف الدولة على قدم المساواة مع الدول الأخرى فى المجتمع الدولى، وحصولها على جميع حقوقها ووفائها بكامل التزاماتها ، يضاف إلى ذلك استقلالية الدولة سواء فى مواجهة القوى الخارجية أو الداخلية ، ثانياً:ـ كينونة المجتمع ( أرواح المواطنين، والنسيج الوطنى ، والتجانس العام ، والانتماء، وكذلك الأتفاق على التوجهات الأساسية والذى سبق ذكرها) , ثالثاً :ـ الموارد المادية (الطبيعية والاقتصادية) والموارد البشرية (نوعية البشر وصحتهم وتعليمهم وثقافتهم ونظام القيم. . . .) ,رابعاً :ـ الإمكانيات وتعنى الأستقرار الشامل والأداء الوطنى .
شهدت مصر فى الفترة الأخيرة نقاشاً واسع النطاق حول مفهوم الأمن القومى وتطبيقاته فى مجالات مختلفة وقد جاء خطاب الرئيس مبارك فى افتتاح مجلس الشعب والشورى (نوفمبر 2008) ليبشر برؤية جديدة للعالم ، وذلك على النحو التالى :
أولاً: أنه سيظل الأمن القومى المصرى هو الشاغل الأكبر للقيادة المصرية ، حيث حدد الرئيس بشكل واضح وحاسم أنه ليس أمناً قومياً عاماً ولكن فى تفاصيله الأستراتيجية والسياسية والأقتصادية هنا نجد الرئيس يمد مفهوم الأمن بشكل محدد إلى العمليات والتطورات والسياسات الأقتصادية والسياسية ، بعبارة أخرى، هذه أول مرة منذ فترة ليست بالقصيرة التى تفهم فيها السياسات الأقتصادية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومى ففى الفترات الأخيرة كان هناك تصور أن اعتبارات النمو تفوق فى الأهمية القيود الأمنية ولكن يبدو أن هذا تم الرجوع عنه بإعادة القيم الأقتصادية إلى الأطار الأصيل للأمن القومى المصرى
ثانياً : اعتبار الأمن القومى المصرى هو المنظومة الحاكمة لكل المتغيرات الداخلية والخارجية
المساس بأمن الدولة هو جريمة سياسية بوجه خاص ، كما أنه موضوع مادة قانونية تتناول موضوعات منها : الجرائم الواقعة على أمن الدولة فى تطورها التاريخى والخصائص المميزة لأحكام الجرائم الواقعة على أمن الدولة وغيرها .

أختلف العديد من المفكرين والسياسين فى تحديد مفهوم معين ومحدد لـ (الأمن القومى ) حيث عرفه كل واحد حسب وجهة نظره وتفكيره وبيئته المحيطة به فنجد أن من الذين عرفوا الأمن القومى :ـ
1) تعريف مركز الدراسات الأستراتيجية ، للقوات المسلحة المصرية: ـ
الأمن القومى عملية محلية مركبة تحدد قدرة الدولة على تنمية إمكاناتها وحماية قدراتها على كافة المستويات ، وفى شتى المجالات، من الأخطار الداخلية والخارجية .وذلك من خلال كافة الوسائل المتاحة والسياسات .الموضوعة بها ، بهدف تطوير نواحى القوة وتطويق جوانب الضعف ، فى الكيان السياسى والأجتماعى للدولة فى أطار فلسفة قومية شاملة تأخذ فى أعتبارها كل المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية.
ومع أن هذا التعريف حاول الجمع ، بين معظم التعريفات المعروفة ، والوصول إلى تعريف شامل ، ألا أنه كان أكثر تركيزاً على الناحية السياسية والإجتماعية ، التى تستلزم الحماية ، وهى إشارة للبعد العسكرى ، أيضاً تاركاً باقى أبعاد الأمن بلا تحديد.
2) تعريف أمين هويدى (مفكر وكاتب سياسى مصرى):ـ
(الأمن القومى لأى دولة هو عبارة عن الإجراءات ، التى تتخذها الدولة فى حدود طاقاتها، للحفاظ على كيانها ومصالحها فى الحاضر والمستقبل ، مع مراعاة المتغيرات الإقليمية والدولية )يشير هذا التعريف الى الحفاظ على كيان الدولة ، وهو يتحدث عن الأمن القومى للدولة المنفردة ، بمعنى ضرورة ربط أمنها الوطنى بأمن المجموع ن فى إطار المصالح المشتركة من دون ان يكون هناك تعارض بينهما . وهو بذلك يكاد يكون الوحيد الذى أشار فى تحديده إلى مفهوم الأمن بتعدد المستويات الأمنية .

3)تعريف حسن طوالبه (كاتب سياسى مصرى قومى):ـ
(إن مفهوم الأمن القومى ، هو مفهوم وقائى ، أو بمعنى أدق ، مفهوم دفاعى ، ومجابهة فاعلة لكل التحديات التى تواجه الأمة )
يضيق نطاق هذا التعريف فى مفهوم الدفاع والوقاية ضد الأخطار التى تواجه الأمة، وهو ينبع من أهتمام الكاتب بموضوع ذى بعد محدد، وهو الأمن القومى للأمة العربية فى إطار مرحاة الوفاق الدولى فى بداية الثمانينيات.

4) تعريف د/حامد ربيع (أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة):ـ
(إن مفهوم الأمن القومى ، فى جوهره مفهوم عسكرى ، ينبع من خصائص الأوضاع الدفاعية للإقليم القومى ، ليتحول فى صياغة تنظيرية بحيث يصير قواعد للسلوك الجماعى والقيادى ، بدلالة سياسية ، وبجزاء لا يقتصر على التعامل الداخلى )
يرجع الكاتب مفهوم الأمن القومى ، إلى المفهوم العسكرى ، ولكنه يشير إلى أن المفهوم العسكرى هو أصلاً نابع من حقائق جغرافية ، هى دفاعية (أى ما تيسره طبيعة الأقليم للدفاع عنه فى شكلها الطبيعى ) وهو يشير أيضاً إلى الأقليم القومى أى إنه يتحدث عن أمن جماعى لقوم محددين ( جاء التعريف فى سياق كتابه عن الأمن القومى العربى ) ويتحول المفهوم إلى صياغة مكتوبة ،ويصبح قاعدة يجب التحرك فى إطارها شعباً وحكومة، ومن خلال سياسة محددة تشمل التعامل مع الخارج والداخل معاً . وهذا المفهوم يمتاز بإشارته للحقائق الجغرافية المؤثرة ، على مفهوم الأمن القومى (الوطنى) وهى بلا شك ذات أهمية بالغة ، يجب مراعاتها عند وضع الإستراتيجيات والسياسات العسكرية والسياسية للدولة داخلياً وخارجياً.
5) تعريف د/ على الدين هلال (أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة) :ـ
(الأمن القومى هو تأمين كيان الدولة ، أوعدد من الدول ، ضد الأخطار التى تهدده من الداخل ومن الخارج ، وتأمين المصالح الحيوية للدولة وخلق الأوضاع الملائمة لتحقيق أهدافها وغاياتها القومية ) ويوسع هذا التعريف من نطاق الأمن القومى ، ليشمل أبعاداً جغرافية وقطرية بدخول دول ذات مصلحة واحدة ، فى مفهوم موحد لأمنها القومى ، من دون تركيز على أبعاد خاصة ، وتحديداً لأخطار بعينها ، أو بإجراءات محددة لخلق الأوضاع الملائمة المشار إليها .

6) تعريف العميد محمد عبد الكريم نافع ( ضابط شرطة ،وكاتب سياسى مصرى ) :ـ
( الأمن الوطنى هو الجهد اليومى ، الذى يصدر عن الدولة لتنمية ودعم أنشطتها الرئيسية سياسياً وعسكرياً وأقتصادياً وإجتماعياً لدفع أى تهديد أو تعويق أو أضرار بتلك الأنشطة) يمكن أن نضع هذا التعبير عن الأمن الوطنى فى حقبة زمنية معينة مرت بها الدولة وكانت التهديدات الداخلية هى أكثر الأخطار التى تعوق أنشطة الدول المختلفة وهو ما دعى الكاتب إلى الأتجاه لهذا المفهوم من واقع خبرته العملية والأكاديمية كضابط شرطة .

7) تعريف د/ أحمد فؤاد سلامة ( أستاذ جامعى مصرى ):ـ
( الأمن الوطنى يعنى حماية القيم الداخلية من التهديد الداخلى، وحفظ كيان الدولة وحقها فى البقاء مستندة فى ذلك على اسس أقتصادية ، وحد أدنى من التآلف الأنثروبولوجى، وخلفية حضارية قائمة على بناء هرمى للقيم ، تبرز القيمة العليا السياسية ، التى تستتر خلفها المصلحة الوطنية للدولة، كهدف أعلى يعمل من خلال الإطار النفسى الذى يميز الجماعة ، والإطار الإستراتيجى الدولى الذى يميز الصراع الدولى الحاضر أكد هذا التعريف على أهمية حماية القيم الداخلية ، ثم أسند ذلك على أسس أقتصادية بشكل عام واجتماعية بكل خاص ، وتفسير ذلك بالتآلف والخلفية والبناء الهرمى ، وصولاً للقيم العليا السياسية والمصلحة الوطنية كهدف أعلى وإطار نفسى محلى واستراتيجى دولى وهو التعريف الذى ركز على النواحى الأجتماعية ، من دون غيرها من الأبعاد مع الأشارة إلى القوة ضمنياً ، بالحماية من التهديد ، إلا أنه لم يضع توضيحاً للعلاقات بين باقى الأبعاد التى تتأثر وتؤثر فى البعد الأجتماعى المشار إليه . وأن كان قد أطلق الزمان والمكان مما يعطى للتعريف مرونة زمنية وجغرافية .
الأمن فى معناه اللغوى هو نقيض الخوف ، أى أن كلا المفهومين يمثلان وجهين لعملة واحدة ، فالأمن يعنى التحرر من الخوف والإحساس بالطمأنينة والشعور بالأمن يمنح الفرد القدرة على مواجهة متطلبات حياته، وحماية طريقة وأسلوب هذه الحياة بصورة شاملة وقدَ عَرفت دائرة المعارف الدولية للعلوم الأجتماعية : الأمن القومى للدولة على أنه (قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية من التهديد الخارجى)
اصطلاح الأمن القومى مأخوذ عن الغرب ، حيث استخدم فى أوربا بعد ظهور الدولة القومية ومن أهم أنصاره, والترليبمان ، فردريك هارتمان ، أرنولد هارتمان ,حيث يرى" والترليبمان "، أن الأمن القومى للدولة ، هو أن الدولة تكون أمنة عندما لا تحتاج للتضحية بمصالحها المشروعة لتجنب الحرب ، وقدرتها فى حالة التحدى على حماية هذه المصالح بشن الحرب على الغير ، فأمن الدولة لديه مساوياً لقوتها العسكرية ، والأمن العسكرى مع القدرة على مواجهة أى هجوم مسلح والقضاء عليه .
أما" فردريك هارتمان" فيرى أن الأمن القومى ، هو جوهر المصالح القومية الحيوية للدولة ، والمصلحة الحيوية للدولة هنا هى المصلحة التى تدخل الدولة من أجلها الحرب فوراً أو فى فترة لاحقة .
مهما اختلفت مفاهيم (الأمن القومى ) وتعريفاته ، فإنه ينصب بالأساس على حماية الدولة من أى عدوان سواء داخلى أو خارجى ، فأى دولة لها أطماع فى دولة أخرى ، فإن هذه الدولة الطامعة تدخل فى نطاق الأمن القومى للدولة الأخرى محل الأطماع ، لذا فالأمن القومى لا يريبط بالحدود أى أن أمن مصر لا يتوقف فقط عند الدول التى لها حدود معها أو الدول المجاورة ، وإنما يمتد إلى غير ذلك ، فقد أصبح الأمن القومى للدولة جزء لا يتجزأ من الأمن العالمى ، حيث هناك عملية تواقف بين كلاً من الأمن العالمى والأمن القومى.



المبحث الثانى
الأمن القومى المصرى وحدوده

الأمن القومى هو قدرة الدولة على مواجهة الأخطار والتحديات الخارجية والداخلية وضمان الأمن والإستقرار فيها .

لمحة تاريخية:
كانت حدود مصر الشمالية مفتوحة منذ الفراعنة لتأمين حدودها ورعاية مصالحها فى تجارة الأخشاب مع فينيقيا (سواحل لبنان ) وقد أتت غزوات الهكسوس من بر الشام . وأتى الإسكندر الكبر ثم الغزو الرومانى من البحرمن الشمال ، وأتى الأستعمار الحديث (حملة نابليون ثم الغزو البريطانى ) من البحر من الشمال أيضاً . لذلك أراد محمد على تأمين حدود مصر بفتح الشام والإستيلاء على عكا . فالشام هى المدخل الشرقى لمصر . وقد زرعت إسرائيل بين الشام ومصر لتصبح بإستمرار مصدر خطر على مصر ، وتهديد لحدودها الشرقية . وقد ذكر القرآن الكريم إرتباط مصر بالشام فى قصة موسى عليه السلام والخروج من مصر إلى الشام وفى قصة يوسف عليه السلام والهبوط من الشام إلى مصر ، (اهبطو مصر فإن لكم ما سألتم ) وفى قصة مريم العذراء وابنها المسيح خوفاً من اضطهاد الرومان فى الشام .
وحافظ الفراعنة على الأمن القومى فى مصر فى الغرب بالدفاع عنها ضد هجوم الحيثيين عليها وبحث سكان الصحراء عن أرض مصر الخضراء ، غرب الدلتا للإستيطان . كما أمتدت الحرب العالمية الثانية من الغرب حتى وصلت إلى العلمين داخل حدود مصر الغربية ,لذلك كانت وحدة مصر وليبيا تأميناً لحدود مصر الغربية وتأكيداً للأمن القومى المصرى فى الغرب .
وفى الجنوب يمتد الأمن القومى المصرى لتأمين مصادر المياه فى أعالى النيل منذ قدماء المصريين وتأمين حدود مصر الجنوبية من غارات الأحباش حتى فتوحات (محمد على ) فى السودان.وقد ظلت مصر والسودان دولة واحدة ولها ملك واحد هو (ملك مصر والسودان) حتى الثورة المصرية وحق تقرير المصير واستقلال السودان فى 1954مع علاقات صداقة وأخوة مميزة، وإقامة محافظة تكامل فى وادى حلفا حتى تتآكل الحدود المصطنعة التى وضعها الأستعمار البريطانى وبروز نفس النموذج لمحافظة حلايب وشلاتين بدلاً من الخلاف حول ترسيم الحدود .
ومن الشرق كان تهديد مصر من غزو الفرس وهم فى طريقهم إلى غزو الروم، وآتت حملة "قمبيز" واحتلال مصر عدة قرون ، فسيناء هى المدخل الشرقى لمصر منذ أيام الفرس حتى فتح العرب لمصر عبر شمال سيناء إلى الدلتا. الأمن القومى المصرى فى الحجاز حماية لمصر.لذلك قام محمد على بحملته على الوهابيين كحركة انفصالية ضد الدولة العثمانية ولتأمين حدود مصر الشرقية . وهو أساس محور (مصرـ السعودية ) فى السياسة الخارجية .
أن أى دارس لتاريخ مصر القديم والوسيط والحديث لا يتردد فى القول بأن مصر بحكم موقعها الجغرافى ومواردها البشرية والطبيعية وعقول ابنائها النابغين من المفترض أن تكون امبراطورية أو دولة عظمى متميزة فى الأقليم ، وذلك ليس بطبيعة الحال عن طريق التوسع العسكرى الأفقى واحتلال أرض الغير وسلب موارده ، ولكن من خلال توظيف عناصر قوتها الوطنية الذاتية الكامنة وتفعيل نفوذها فى مختلف النطاقات الحيوية والأمنية القريبة والبعيدة . غير أن الناظر إلى الحال المصرى يواجه بمجموعة من الاستفهامات التى لا يستطيع أن يجد لها تفسيراً مقنعاً أو التعرف على تلك القوى الخفية التى تدمر وتستنزف قواها . لقد أصبح الارتباك والتردد يمثلان أحد الملامح الرئيسية للعديد من مظاهر تطور الأمة . يصاحب ذلك عجز واضح فى قدرات ممارسة الوظيفة القيادية لمصر وهى مسئولية تتطلب توافر عناصر ثلاثة أساسية : قناعة وقدرة وفاعلية ومصر بأوضاعها الحالية وبعد تحولها لدولة فقيرة ، فضلاً عن كونها قد قيدت نفسها بمعاهدات ومواقف اختزلت قدرتها على تأمين حدودها الشرقية والجنوبية بل والداخلية أيضاً . ويزيد من عمق المأساة أن الشعب المصرى فى هذه اللحظة لم يعد يمتلك تلك القناعة أو الرغبة فى ممارسة وظيفة القيادة.
وكنتيجة طبيعية لهذا العجز أصبحت هناك مجموعة من الأخطار التى تهدد الوطن بعمليات الاستئصال الداخلى والخارجى [بالنسبة للاستئصال الخارجى فإنه يتمثل فى البوابتان الشرقية والجنوبية لمصر ..حتى الأن ...] فنجد أن :ـ
1
) بوابة مصر الشرقية:ـ
تتحكم فلسطين فى أمن مصر من الجهة الشرقية ، فهى خط الدفاع الأول عن أمن مصر من جهة الشرق ، ودائماً ، كما يثبت التاريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر ، كان الخطر الأساسى على أمن مصر يأتى من الشرق ، وكانت فلسطين بمقاومتها وخطوط دفاعاتها هى المصد الأول لهذا الخطر ، وقد أدرك حكام مصر فى كل مراحل التاريخ هذه الحقيقة الأستراتيجية التى توحد أمن البلدين فجسدوا ذلك فى وحدة سياسية تجمعها واستمرت العلاقة بين مصر وفلسطين على مر التاريخ محكومة بهذا الفهم الإستراتيجي ، ويوصلها رباط وثيق حده الأعلى الوحدة ، وحده الأدنى التنسيق الإستراتيجى ، وكان توجه الوحدة هو الغالب فى أمر العلاقات بينهما ، استمر حال العلاقات كذلك إلى أن أكتملت مراحل وبنود المؤامرة الغربية الصهيونية التى بدأت فى مؤتمر بال بسويسرا 1798 وانتهت باحتلال فلسطين 1948 وقيام دولة إسرائيل وحددت الوثائق التاريخية الغربية الصهيونية الدور السياسى والمهمة الإستراتيجية للدولة الصهيونية فى منع قيام وحدة سياسية تجمع كل البلاد العربية ، وإجهاض كل المحاولات الساعية لتوحيد الأمة العربية ، حتى تظل ضعيفة ومهيئة دائماً وموضوعياً لنهب مواردها ، ومن ثم لا تشكل خطراً على مصالح وحضارة الغرب العنصرية الإستغلالية ، ولأن مصر هى الأكبر عربياً وسياسياً وإجتماعياً ، وهى الأقدر على لعب هذا الدور الوحدوى العربى الذى يعتبره الغرب خطراً على مصالحهما ووجود الدولة الصهيونية ، لذلك كان هدف السياسة الغربية الصهيونية فى المنطقة هو إضعاف مصر ، حدث ذلك فى حرب 1956 وفى حرب 1967 وفى حرب 1973 ، وفى نصوص معاهدة كامب ديفيد وما يسمى بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وفى الوثيقة الصهيونية الصادرة عن الإستخبارات الإسرائيلية 1982 لتفتيت مصر والدول العربية .

إن إسرائيل تشكل تهديداً مستمراً للأمن القومى المصرى لعدد من الأسباب :ـ
أولها : تاريخية ، فعندما تكون هناك دولة مجاورة لك وأحتلت أراضيك خلال فترة قصيرة من الزمن ، وخضت معها عدة حروب خلال نصف قرن ، فإن هذه الدولة تظل فى الإدراك العام تهديداً محتملاً ، وخاصة لو كان لدى هذه الدولة جماعات سياسية متطرفة وقوية وتعتبر مصر عدواً بالنسبة لها .
ثانيها: يتعلق بتوازن القوة ، فعندما تكون الدولة المجاورة ممتلكة للأسلحة النووية ، وأشكال أخرى من أسلحة التدمير الشامل ، فضلاً عن تفوق تكنولوجى عام وعلاقة عضوية مع الدول القائدة للنظام العالمى تحمى تجاوزاتها وإختراقاتها للقانون والنظام الدولى .
وثالثها: أن هذه الدولة تعتقد كثيراً فى القوة المسلحة للحصول من الأخرين على أرض وموارد ومزايا سياسية واستراتيجية لا يوجد من هو على إستعداد لمنحها إياها بدون قتال و نضال ، وهكذا تبقى هذه الدولة ـ إسرائيل ـ مصدراً للعدوان وعدم الأستقرار فى المنطقة المجاورة. وعندما تشتعل حرائق ، وبصورة دورية فى الجوار المباشر فإنها تصير مصدراً لتهديد الأمن القومى لمصر. كل هذه الأسباب تضع ما يكفى للتوافق بين القوى السياسية المختلفة حول التهديد الإسرائيلى للأمن القومى المصرى ، ولكن هذا التوافق يتوقف فوراً بعد ذلك ، لأن هناك من يعتبر أنه طاما كان هناك تهديد إسرائيلى فإنه لا يوجد تهديد آخر . مثل ذلك يكاد يغمض العين تماماً عن التهديد الموجه لمياه النيل فى حال تفكك الدولة السودانية، أو ذيوع عدم الأستقرار فى أعالى النيل والقرن الأفريقى ، بل أنه يمر مروراً سريعاً على عمليات القرصنة الموجهة إلى السفن المصرية أو تلك التى تتوجه إلى قناة السويس ، أو حتى تلك المتعلقة بالجريمة المنظمة التى تحاول أختراق الأراضى المصرية بإعتبارها مقصداً أو معبراً ، ولا ننسى تفجيرات طابا وشرم الشيخ . القضية مع كل ذلك هى أن الأمن القومى المصرى معرض لأنواع مختلفة من التهديد تحتاج إلى حزم مختلفة من المعالجات والسياسات التى تحافظ على البلاد من العدوان الخارجى أياً كان مصدرها ، ومن الجيد دائماً أن ننظر ونراقب الخطر الإسرائيلى ، ولكن ذلك لا ينبغى له أن يكون غفلة عن مصادر الخطر الأخرى.

منذ عدة سنوات عندما كان الباحث يطرح رؤيته حول احتمالات الاستئصال وتفجير العالم العربى وتحويله إلى العديد من الكيانات الصغيرة الهشة ذات الطابع الطائفي أو الدينى كان يواجه بتهمة الانفصال عن الواقع والانعزال بفكره فى عالم المؤامرات . واليوم أصبحت عملية الأستئصال تطبق فى جميع أجزاء الوطن العربى بل وتقترب بسرعة نحو مصر بشكل مريب . إن مراحل الأستئصال لا تتم دفعة واحدة وإنما تستكمل من خلال سلسلة متواصلة من الأجراءات التى تبدو فى مظهرها متباعدة ومتفرقة ولكنها فى واقع الأمر مترابطة ومتصلة بحيث تمهد كل منها للمرحلة التالية . ومن أهم الدروس التى تركها الأجداد الفراعنة أن أول عناصر القوة فى السياسة المصرية هو وضوح مفهوم الأمن القومى وتحديد واضح لدوائره الإقليمية الممتدة من إفريقيا جنوباً إلى آسيا شرقاً والبحر المتوسط شمالاً وهو الأمر الذى كون أحد عناصر المنطق والإدراك القيادى فى ذلك الوقت البعيد . وهذه حقيقة ادركها زعماء مصر فى العصر الحديث مثل محمد على باشا وإسماعيل باشا والزعيم الراحل جمال عبد الناصر ، وإن أختلفت مسميات وحدود تلك الدوائر الأمنية وأساليب الحركة داخلها بين زعيم وأخر . أما فى عالم اليوم فقد تم اختزال واستئصال معظم النطاقات الجغرافية الأمنية لمصر وهذه حقيقة تكشف عن نفسها من خلال ما يحدث فى السودان ودول منابع نهر النيل فكلها أحداث مترابطة تلتصق مباشرة بدوائر الأمن المصرية الحيوية .

بوابة مصر الجنوبية:ـ
يتحكم جنوب السودان مع دول منطقة البحيرات فى أفريقيا فى منابع ومجرى النيل أساس حضارة مصر ونمائها ، ولذلك تعتبر السودان هى خط الدفاع الأول عن مصر من ناحية الجنوب وقد أدرك محمد على وأبناؤه من بعده هذه الحقيقة الأستراتيجية ، فذهب الجيش المصرى جنوباً أبعد من جنوب السودان ، وفتح كل هذه المناطق وضمها إلى مصر ، وأستمرت هذه الوحدة إلى أن أستقلت السودان بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 . . وحافظت مصر بعد أستقلال السودان على أستمرار العلاقات المتميزة معها صيانة لأمن مصر القومى الممتد حتى منطقة البحيرات ، وظل هذا التميز فى العلاقات خطاً أساسياً ثابتاً يزن مجرى العلاقات بين البلدين ويصحح مساراتها .
أصبحت إسرائيل بدعم أستراتيجى أمريكى هى المسئولة عن هدم قواعد وأساسات بنيان الأمن القومى لمصر ، فبعد أن أستولت على المداخل الشرقية لهذا الأمن مدت نشاطها للإستيلاء أو الهيمنة على المداخل الجنوبية لأمن مصر القومى ومن ثم تعدت جهودها إحداث قلاقل داخل الدولة السودانية إلى تفكيك وحدة السودان وتحويلها إلى مجموعة من الدويلات المتناحرة الساعية لطلب الحماية من الدولة الصهيونية لمواجهة الهيمنة العربية على الدولة السودانية ومكوناتها السياسية ، ولتنفيذ ذلك تتواجد المخابرات الصهيونية والأمريكية فى جنوب وشرق وغرب وشمال السودان ، وتستهدف كل هذه التحركات الصهيونية إحكام الحصار على مصر بالتحكم فى منطقة منابع النيل ، ولا تكتفى هذه التحركات المعادية للسودان ولكن تشمل تحركاتها كل الدول المطلة على البحيرات العظمى ، وإن معنى ذلك ان الوجود الإسرائيلي أصبح متواجداً بكثافة فى العديد من المناطق السودانية وفى منطقة منابع النيل ، لقد وضعت إسرائيل أقدامها على خطوط الدفاع الأولى عن أمن مصر فى الشرق والجنوب .
أما فى السودان فقد أقامت الإدارة المصرية علاقات وطيدة مع مؤسس تمرد الجنوب ( جون جارانج) ووافقت علي فتح مكتب سياسي لحركة التمرد في القاهرة ومدته بالأسلحة اللازمة أثناء الصراع المسلح الذي نشب بين الحركة والحكومة، واستقبلت الحكومة المصرية جارانج وزوجته في القاهرة وتولت أجهزة الإعلام المصري تسويقه للشعب المصري أثناء ذروة الخلاف بين الحكومة المصرية والسودانية الذي أعقب محاولة اغتيال الرئيس مبارك في إثيوبيا،وقد قدم الدعم السياسى الإستراتيجي المصرى لحركة التمرد فى الجنوب دعماً إستراتيجياً غير مباشر لحركات التمرد فى شرق وغرب وشمال السودان ، معنى ذلك أن الأدارة المصرية سهلت المأمورية للمخابرات الإسرائيلية للعبث بأمن مصر فى الجنوب ، فلم يتم التميز بين مصالح الأمن المصرى الثابتة المتداخلة مع السودان وبين الخلافات السياسية العابرة التى تحدث دائماً بين الحكام والأحزاب والقوى السياسية .
إن العبث بأمن مصر الذى تساهم فيه الإدارة المصرية وترتب عليه علو شأن الدولة اليهودية (الطائفية) على حساب قيمة وشأن الدول العربية ، ساهم هذا العبث فى علو شأن النزاعات العرقية والطائفية فى كل الدول العربية بما فيها مصر ، ومن البديهى أن هذا العلو الطائفى يهدد الوحدة الوطنية فى مصر وفى كل الدول العربية وهذا يضع الأمن القومى العربى وأمن كل دولة عربية وأمن مصر فى مهب رياح عاتية مدمرة لا توقفها أبواب النفاق ودفن الرؤوس فى الرمال ، فلم تكن النزعات العرقية فى ولايات كردفان فى غرب السودان ولا فى ولايات الشرق والشمال مرئية منذ خمس أو عشر سنوات ولكنها أصبحت الآن مرئية ومحسوسة ، ومنذ عشر سنوات أو أكثر لم تكن هناك دويلة فى الجنوب لكن هذه الدولة أصبحت موجودة الآن لها عملة خاصة وبنك مركزى خاص وجيش خاص ومخابرات خاصة وتمثيل دبلوماسى خاص وحكومة خاصة وحدود خاصة متنازع عليها مع الشمال وهذه الدولة تمثل تهديداً لمصر من ناحية الجنوب ، وللأسف لم تنجح مصر فى تحجيم خطرها .
ـ الأمن القومى هو ظاهرة إجتماعية تتداخل فيها مجموعة من العوامل والعناصر المختلفة . وقد تشعب هذا المفهوم بمعناه الجديد إلى كل من الأمن العسكرى ، والأمن السياسى ، والأمن الأقتصادى ، والأمن الثقافى، والأمن الغذائى ، وأمن الموارد الطبيعية ومنها الأمن المائى
تتعرض مصر لعديد من الأخطار على أمنها الثقافى والفكرى ، حيث أنها تتعرض لمسألة استئصال داخلى . (هذا الاستئصال الداخلى قد بدأت ملامح خيوطه تتشكل منذ وقت قصير وذلك بحدوث سلسلة متواصلة ومترابطة من الأزمات . . . أزمة قيم وفكر... وأزمة فى العقائد . . وأزمة فى صحة الشعب . . أزمة فى الغذاء . . أزمة بطالة . . أزمة فى التخطيط والإدارة . . أزمة فى البناء الطبقى . . أزمة فى حاضر ومستقبل الشباب . . أزمة فى مشاعر الإنتماء . . أزمة فى بناء ومقومات الشخصية المصرية . . أزمة فى البيئة . . إلى غير ذلك من الأزمات التى تشكل كلها عناصر هامة فى مصفوفة حسابات الأمن القومى . وعلى الرغم من أن تللك الأزمات فى مجملها هى نتيجة تراكم سلسلة من الأخطاء ذات علاقات متبادلة التأثير والتأثر إلا أن ما صاحبها من سياسات ثقافية وإعلامية كان لها تأثير خاص فى تعميق تلك الأزمات وانعكاساتها على الإنسان المصرى نظراً لكونها أهم أدوات التعامل المباشر مع العقل والوجدان وتصورات المواطن . لقد عاش المجتمع المصرى تحت تأثير ما يمكن أن نطلق عليه ثقافة الضياع والفساد التى أرست عوامل التفكك والخلل الإجتماعى والفكرى فى المجتمع واسهمت فى أختزال العقل المصرى وتسطيح معايير حكمه وقياسه وإدراكاته وأفرزت نوعيات جديدة من البشر غير متوازنة فى الفكر والسلوك وأوجدت أزمة فى الهوية المصرية وقوضت مشاعر الإنتماء للوطن عند الكثيرين ، تلك المشاعر التى كانت راسخة فى وجدان الإنسان المصرى قبل وبعد الثورة الناصرية فى 23تموز( يوليو )، واستبدلتها بأنساق ثقافية عبثية تلاشت فيها كل المعايير الأخلاقية والسلوكية والوطنية .
ومن أخطر نتائج هذا العبث الثقافى هو حدوث خلل فى الفكر الدينى والعقائدى . لقد توهم البعض فى أمكانية احتواء ومقاومة جاذبية الفكرة الدينية وثقافة التطرف لعقول أفراد مجتمع محبط ويائس من خلال نشر ثقافة (الانفتاح الفكرى العشوائى ) واللجوء لمعالجة التطرف بفكر وأساليب هى فى جوهرها ومضمونها تعد أكثر تطرفاً وتجنيد بعض الأقلام المستترة تحت شعار مشوش لمفهوم الليبرالية لكى تطرح أفكاراً استفزازية تهاجم بها ثوابت الدين وأصوله مع تجاهل جوهر الخلاف وأسبابه ودوافعه الحقيقية وترك تلك الظاهرة الطارئة دون معالجة أو مواجهة . وما زاد الأمور تعقيداً هو مصاحبة تلك المبادرة الفكرية الهابطة, سياسة إعلامية هابطة واستفزاز للمواطن المصرى تضمنت إباحية وأفكار مشوشة عن مفهوم الحرية أسهمت فى خلق انطباع عام ، خاصة لمن يعيش فى الخارج ، يصور مصر وكأنها أصبحت تحت سيطرة تجار المخدرات وعصابات المافيا والراقصات وأن السياسة الميكافيللية والإنتهازية والإنحراف هى دستور وأدوات النجاح لكل من يطمع فى الحصول عليه فى مصر .
وكانت النتيجة لهذا العبث الثقافى ، إلى جانب العديد من العوامل الأخرى بطبيعة الحال التى تخرج عن حدود هذا الحديث ، هى تشرذم المجتمع المصرى فكرياً وسلوكياً بل وعقائدياً أيضاً وذلك بعد أن أصبح الإنسان المصرى يواجه مجموعة من التناقضات الفكرية والسلوكية التى تتراوح أمامه بين أقصى اليمين وأقصى اليسار وغاب بينهما مفهوم الوسطية الذى يمثل أحد الأسس الهامة فى الفكر الإسلامى .
لذلك لابد من أخذ الأمن القومى الثقافى بعين الأعتبار ، لحفظ مصر من الأختراق الفكرى الذى يجعل بعضاً من أبنائها يختزلون تهديدات كثيرة فى تهديد واحد. ولا توجد سياسة تعالج أشكالاً مختلفة من التهديدات قدر زيادة عناصر القوة لدى الدولة سواء كانت مادية ـ عسكرية وأقتصادية ـ أو معنوية ـ قيمية فكريةـ بحيث تخلق توازناً كافياً للقوة يردع الآخرين ، أو يشعرهم أن عدوانهم سوف يكون مكلفاً إلى الدرجة التى تجعلهم لا يفكرون فى العدوان .ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالبناء والتنمية التى تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الأستقرار والسلام والعمل الجاد والمشاركة فى بناء القوة والثروة والقدرة ، ومع ذلك تكوين شبكة من العلاقات السياسية والأقتصادية الدولية التى تجعل كل ذلك ممكناً ولكن تحقيق ذلك يحتاج إلى وقت غير قليل ، وتوافق وطنى كبير ، ومجموعة من السياسات التى تتعامل مع وقائع وأحداث لا تكف عن الضغط على الأمن القومى فى أشكال كثيرة فيها ما يضغط على الحدود ، وفيها ما يضغط على الداخل بشعارات وإغواءات مظهرها الرحمة وباطنها العذاب .
إن الأمن القومى تعدى من كونه أمن حدودى ودفاعى إلى أمن بمفهوم شامل ، يحوى العديد من شعاب الأمن سواء كان أمناً ثقافياً أو أقتصادياً أو أجتماعياً أو سياسياً إلى آخره .بل وأصبح الأمن القومى لدولة ما جزء لا يتجزأ من الأمن الدولى . فأصبح هناك عملية تواقف ، حيث يتوقف الأمن الدولى على أمن دولة ولو كانت صغيرة وما يتصل بهذا الأمر اتصالاً مباشراً هو ما يلوح فى الأفق الإقليمى من تغييرات أكثر غموضاً ولكنها لا تقل خطورة بالنسبة للأمن القومى المصرى فالسياسة يمكن أن تُعرف كأحد أساليب التعامل مع الواقع ومن ثم تصبح الواقعية فى الفكر هى عنصر هام فى فن العمل السياسى والحسابات الأمنية . هذه الواقعية تفرض على مصر أن لا تعيش فى حالة الغيبوبة التى تعيشها معظم الدول العربية التى لاتكترث بكل ما يحيط بها من كوارث وتكتفى بوضع رؤوسها فى الرمال والإكتفاء بمجرد الأنتظار حتى يحين موعد قدرها الواحدة تلو الأخرى دون أى وعى بظروف الحاضر ومتغيرات المستقبل .


الفصل الثاني
العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية


المبحث الأول
نبذة تاريخية عن العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية

تتميز العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية بتشعب أطرها وتعدد موضوعاتها، الشي الذي يعكس تنوع المصالح المتبادلة بين الطرفين والذي جاء بفعل إرث تاريخي يرجع إلي خمسينيات القرن الماضي، في الوقت الذي تظل فيه مسألة يهود الفلاشا والمياه والصراع العربي الإسرائيلي هي التي تتبادر إلي الأذهان عندما تثار العلاقة التي تربط إسرائيل بإثيوبيا وعلي الرغم من أن العلاقة الإسرائيلية الإثيوبية هي علاقة عادية طبيعية في بعض جوانبها ، إلا إنها نعد بالنسبة لـ ( إسرائيل) حيوية واستراتيجية، ويحسب مراقبين، فإن العلاقة الثنائية الإسرائيلية الإثيوبية لازال يدور حولها جدل كبير منذ أكثر من نصف قرن بين صعود وهبوط شهدت أجواء من الهدوء والفتور مع النظام الإثيوبي الحالي، إلا أن زيارة وزير خارجية ( إسرائيل ) السابق " سيلفام شالوم" في مطلع يناير "كانون الثاني" 2004 لإثيوبيا أعطت مؤشرات وأبعادا جديدة بعودة هذه العلاقات إلي عهدها الطبيعي.
لقد وظفت إسرائيل عدة وسائل سياسية واقتصادية وثقافية وعسكرية لتمتين علاقاتها مع إثيوبيا إذا تقوم إسرائيل بإرسال مبعوثين وخبراء في جميع المجالات وعلي رأسها المجال الأمني والعسكري، من أجل الإعداد والتدريب وتنفيذ صفقات أسلحة.
وقد شهدت العلاقة الإسرائيلية نقلة نوعية كبيرة ، وقد تطورت هذه لعلاقة لتبلغ أوج التعاون في مجالات عدة، وعل الرغم من أن ثمة فتور خيم بعض الشيء علي تلك العلاقات في عهد " منجستو هيلا مريام" الذي وصل إلي الحكم في إثيوبيا عام 1974، إلا أنها عادت لتتعزز عندما ساهم منجستو في تلبية الرغبة " الإسرائيلية " في ترحيل الفلاشا إلي إسرائيل في العام 1984.
وثمة دلالات عديدة تؤكد علي ذلك التقارب في العلاقات بين الجانبين، فقد جاءت الزيارة الاولي لوزير الخارجية الإسرائيلي سيلفام شالوم مطلع يناير / كانون الثاني 2004 إلي إثيوبيا علي رأس وفد رجال أعمال والمستثمرين الإسرائيليين مؤلفا من 22 شخصا لتعبر عن الرغبة الحقيقية لـ (إسرائيل ) في إستعادة علاقتها مع أفريقيا عبر البوابة الإثيوبية. هذه الزيارة التي اعتبرها رئيس الوزراء الإثيوبي أن لها أهمية خاصة كونها الاولي بعد أول زيارة سابقة لرئيس الوزراء الإثيوبي عام 1989. وهو التاريخ الذي أعلنت فيه إثيوبيا البدء بالعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.
سعت إسرائيل للاستثمار في إثيوبيا وأرسلت في الستينات من القرن المنصرم خبراءها فى الأمن والتعليم والاتصالات والزراعة والصحة والتخطيط الاقتصادي وأصبحت السفارة الإسرائيلية فى أثيوبيا الأكبر فى العالم بعد السفارة الإسرائيلية فى أمريكا.
وكانت أثيوبيا قد توجهت بقوة فى عهد " منجستو " نحو المعسكر الاشتراكى , واعتمدت على الخبراء من روسيا وأوروبا الشرقية , وورث النظام الحالى التعاون العسكري مع روسيا وشهد التعاون بينهما تطورا كبيرا علي خلفية الحرب الإريترية ـ الإثيوبية ، حيث قامت إثيوبيا بشراء أسلحة من روسيا قدرت باكثر من ملياري دولار، ولعبت دورا في ترجيح كفة إثيوبيا في الحرب الأخيرة، فيما امتنعت أمريكا وإسرائيل عن تقديم أي دعم عسكري لإريتريا وإثيوبيا وجمدت المساعدات العسكرية لهما، وهذا أغضب أديس أبابا التي توجهت نحو روسيا وفرنسا، وتعاقدت وزارة الدفاع الأثيوبية مع خبراء روس، إلا أن مكافحة الإرهاب والمشروع الأمريكي الجديد قد خطا الاوراق وانقلب التحالف لصالح واشنطن التي دخلت بكل ثقلها في القرن الإفريقي، واعتمدت علي إثيوبيا كحليف رئيسي فيما تسميه مكافحة الإرهاب.
إزاء ذلك يمكن القول إن هناك قواعد تاريخية تتحكم في العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية لأن إثيوبيا واحدة من ساحات الصراع في شبه القارة الإفريقية، فقد كثفت إسرائيل نشاطها هناك من أجل ضمان بقائها ووجودها وضمان أمنها، ومن الأهداف الاستراتيجية التي سعت إسرائيل في تحقيقها في علاقاتها مع إثيوبيا " الأمن القومي" بمعني تأمين وجود "اسرائيل" وامكانية تمددها تحت ضغط الهجرة المتزايدة , وتحقيق الشرعية السياسة التي كانت في " مرحلة سابقة" في مقدمة القضايا التي واجهت إسرائيل عن طريق كسر حلقة " العزلة" المفروضة حولها بسبب" الصراع العربي الإسرائيلي" بأن تعتمد على شرعية لها بعد دولي من خلال تأمين وجودها باعتراف أكبر عدد من دول العالم بها، وضمان الدعم المادي والسياسي لها ولتوجهاتها. إضافة إلي تطويق الأمن المائي العربي وتهديد أمن مياه النيل والسيطرة علي الملاحة في البحر الأحمر عبر السيطرة علي موانئه، فإثيوبيا غنية بالموارد المائية وفي أراضيها تجري العديد من الأنهار لعل أهمها ( باي ، تكازا ، بارو ، واومو، واواشو،وابشبلي ) بجانب بحيرة تانا العظمي، وهي في مجموعها تمثل مخزونا مائيا كبيرا ومهما، وتبرز قضية أخري هنا وهي أن إثيوبيا يعيش في أراضيها( الفلاشامورا ) والتي تقول بعض الدراسات إنهم ( أي الفلاشامورا ) ورثة تابوت سيدنا سليمان، والذي لا يستبعد فيه مراقبون من أن تكون (إسرائيل ) ومحفلها اليهودي يعدون الخطط تلو الخطط لمحاولة سرقته او الحصول عليه بأي ثمن.
تجدر الإشارة هنا إلي أن ثمة علاقة مميزة تربط إثيوبيا بواشنطن الحليف الرئيسي لإسرائيل وما يعنيه ذلك من تدفق المساعدات والأسلحة المتطورة لإثيوبيا من كلا البلدين( إسرائيل وواشنطن ) ولا شك أن إثيوبيا "و ذلك بالنظر في خبرتها التاريخية كدولة لها وزنها السياسي في شرق أفريقيا " تعد حليفا قويا يمكن الاعتماد عليه من قبل واشنطن، ويشار إلي أن الاهتمام الأمريكي بإثيوبيا برز بعد أحداث 11 سبتمبر والحرب الأمريكية علي الإرهاب وسعي أديس أبابا لتقديم نفسها كدولة راعية للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بسياسات مكافحة الإرهاب. وبنفس الوقت لم تخف الولايات المتحدة إمكانية قبول هذا الدور من قبل " أديس أبابا " سيما إذا ما قورنت إثيوبيا بدول الجوار لها مثل " تنزانيا ، أرتيريا ، كينيا أوالسودان مثلا" فإنها تعد الدولة الوحيدة التي لم تتعرض فيها المصالح الأمريكية لعمليات إرهابية.
وعلي الرغم من هذه الأسباب وغيرها التي دفعت وتدفع إسرائيل بالتمسك بعلاقاتها الحميمة مع إثيوبيا إلا أن ما حملته زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي السابق سلفام شالوم لإثيوبيا وما تضمنته هذه الزيارة من أهداف تعد أكثر من مهمة واستراتيجية بكل ما تحمله من الكلمة من معني.


المبحث الثاني
قضايا محددة في هذه العلاقات
1ـ قضية المياه:ـ
يعد نهر النيل هو المصدر الطبيعي الرئيسي للمياه في مصر والسودان، بل المصدر الوحيد تقريبا للمياه في مصر، لذا تحتل إثيوبيا مركزا مهما باعتبارها أهم دول حوض النيل بالنسبة للدولتين ، فالهضبة الإثيوبية أهم منابع النيل علي الإطلاق، حيث يمر النيل الرئيسي عند أسوان بحوالي 85% من متوسط الإيراد السنوي؛ أي حوالي (71مليار م3سنويا) تتجمع مياهها من عدة أنهار هي ( نهر السوباط ، النيل الأزرق ، نهر عطبرة)

النيل والعلاقات المصرية الإثيوبية:ـ
تحتل إثيوبيا مركزا مهما بل مركز الصدارة في السياسة الخارجية المصرية تجاه أفريقيا، فهي مصدر تهديد دائم للأمن المائي المصري، حيث الاعتقاد الراسخ لدي كل من المصريين والإثيوبيين والذي ساد لفترة طويلة من الزمن، أنه بإمكان إثيوبيا تحويل مجري نهر النيل الأمر الذي أنعكس علي سياسة كل منهما تجاه الأخر.
وقد استغل الاستعمار الغربي هذا الاعتقاد ووفاه لتحقيق مصالحه الخاصة، كما فعلت بريطانيا لضمان تأييد مصر لها في موقعها ضد إيطاليا التي كانت تسيطر علي الحبشة وقتئذ، ومنها استخدام قناة السويس في عام 1935 ، وإدراكا من مصر لهذه الخطورة سارعت مع نهاية الحرب العالمية بمطالبة إثيوبيا بالالتزام باتفاقية 1891 واتفاقية 1902" المنظمة للمياه في نهر النيل" إلا أن إثيوبيا رفضت ذلك فحاولت مصر عام 1947 إنشاء دولة موحدة تحفظ حقها في مياه النيل فاقترحت إنشاء" دولة حوض النيل الكبري " التي تضم السودان وإقليم أريتريا والصومال ؛بأجزائه البريطاني والفرنسي والإيطالي، إلا أن الإمبراطور الإثيوبي " هيلاسيلالي" رفض ذلك بل وإتهم الملك فاروق ملك مصر بمحاولة اغتياله، وظل الوضع هكذا حتي ثورة يولو 1952، حيث أعاد الرئيس جمال عبد الناصر الاقتراح بإنشاء حلف عسكري بين إثيوبيا والسودان كخطوة أولي نحو وحدة وادي النيل، ثم وحدة أفريقيا ككل، وقد بدأ الخلاف واضحا بين البلدين عندما قررت مصر بناء السد العالي، دون استشارة دول المنبع، فعارضت إثيوبيا ذلك معارضة قوية ، وأكدت علي حقها كدولة من دول المنبع في أن يؤخذ رأيها في إنشاء السد العالي بل وقامت بعقد اتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية للقيام بدراسة إمكانية إقامة السدود الزراعية،وتوليد الطاقة علي النيل في إثيوبيا وسحبت أمريكا عرضها بتمويل السد العالي في يوليو1956 معلنة ذلك بعدم عقد مصر لاتفاقية مع دول المنبع لذلك أصبحت إثيوبيا دولة معادية في نظر عبد الناصر خاصة بعد قبولها قنصلا عاما لإسرائيل في أديس أبابا 1956
والنتيجة أن قامت مصر بمساعدة الحركة الإريترية وشجعت فكرة الصومال الكبير، وطالبت مسلمي إثيوبيا بالثورة ؛ حتي تضعف من قوة إثيوبيا، وتمنعها من استخدام مياه النيل والإضرار بمصر. وفي المقابل قامت إثيوبيا بالاستغاثة بالغرب المسيحي الذي ذكر عوامل الصراع بين البلدين بهدف تحقيق التوازن في منطقة البحر الأحمر والشرق الأوسط. إلا أنه العلاقات الإثيوبية المصرية تحسنت بعض الشئ مع بداية حكم الرئيس أنور السادات وحتي منتصف السبعينات، حيث ثارت المشكلة ثانية حول مياه النيل، بعد أن أعلن الرئيس السادات عن مشروع لتحويل جزء من مياه النيل لري 35 ألف فدان في سيناء مع إمكانية إمداد إسرائيل من خلال ترعةالسلام بمياه النيل، فقد اساء ذلك إلي إثيوبيا التي أعلنت أن هذا المشروع ضد مصالحها بل وتقدمت بشكوي لمنظمة الوحدة الأفريقية، تتهم فيها مصر بإساءة استخدام مياه النيل، مما دفع الرئيس السادات إلي توجيه خطاب حاد اللهجة إلي إثيوبيا أكد فيه أن مصر ستحارب اذا اتخذت إثيوبيا أي إجراء للتدخل في مياه النيل وفي بداية الثمانينات بدأت مرحلة جديدة من العلاقات، وخفت فيها حدة الخطاب بين البلدين بل حلت محلها صيغة التعاون والتفاهم في محاولة لإثناء عن إنشاء أي سدود علي النيل الأزرق تضر بحصة مصر من مياه النيل، بعد أن أعلنت إثيوبيا عن مشروع ري تسعي لتنفيذه في أسرع وقت، وبدأ التفكير في إنشاء هيئة فنية مشتركة لدراسة المشاريع والبرامج، التي تخص دول حوض النيل، وقام الخبراء المصريون بالدراسة والإعداد لمشروع منظمة حوض النيل، تم بالفعل إجراء الاتصالات بالدول المعنية ( دول حوض النيل التسع) ووجهت مصر الدعوة إلي عقد اجتماع لوزراء الري في أكتوبر 1981 ,إلا أن المشروع تأجل بسبب اغتيال الرئيس السادات، ولكن مصر استطاعت بالفعل تكوين منظمة تجمع دول حوض النيل تحت اسم ( الإندوجو) التي تعني باللغة الواصيلية ( الإخاء ) كإيطار إقليمي للتشاور. وظلت أهم عقبة تواجه هذه المجموعة منذ إنشائها وحتي الآن هي عدم إنضمام إثيوبيا وكينبا إليها حيث ترتبط الاخيرة في الإنضمام بإثيوبيا ، والمنطلق الإثيوبى في ذلك يقوم علي أساس أنه ليس لإثيوبيا مصلحة في الدخول في إتفاقيات مع ست دول بشأن مياه النيل، بينما المستفيد الوحيد هي مصر والسودان، حيث علي الدولتين إذا رغبت في إجراء محادثات بخصوص مياه النيل الجلوس مع إثيوبيا فقط.
وهكذا تظل إثيوبيا مصدر تهديد لمياه النيل، علي الرغم من أن بها أكثر من 100 نهرـ وتصل كمية المياه الجوفية بها إلي 20مليارم3 بخلاف الأمطار التي تسقط عليها والأنهار المشتركة بينها وبين دول أخري، ليصل إجمالي المياه بها إلي 90مليار م3 إلا إنها تحتاج إلي المزيد من المياه حيث لديها مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، والتي لم تزرع بعد فمن بين 200 مليون فدان قابلة للزراعة لا تزرع 30مليون فدان عن طريق الري الدائم ، من 10 ـ 15 مليون فدان رية واحدة في العام وقد وصل عدد سكانها الي 50مليون نسمة، الأمر الذي يدفعها إلي المطالبة بل السعي إلي استغلال جزء من مياه النيل عن طريق إقامة عديد من السدود علي منابعها.
علي الرغم من حرص مصر الدائم علي تحسين علاقاتها مع إثيوبيا وإقامة حوار بين كل من إثيوبيا والسودان ، إلا أن إثيوبيا خاصة في الوقت الحاضر تمثل خطورة جمه علي الأمن المائي المصري تتمثل في التدخل في مشكلة الجنوب السوداني وتطور علاقتها بإسرائيل.

النيل والعلاقات المصرية الإسرائيلية:
في خصوص السياق المصري الإسرائيلي تجاه أفريقيا، كان لإثيوبيا دوراً بارزا في تقوية العلاقات العربية الإفريقية بشكل عام، إلي حد مقاطعة الدول الإفريقية لإسرائيل في أعقاب حرب أكتوبر 1973، وساعد الإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي وقتها في تنشيط علاقة مصر مع أفريقيا، نظرا لخصوصية علاقته بمصر، وترؤسة الكنيسة الارثوذكية التي يتبعها غالبية أقباط مصر وتنشأ تقديرات إسرائيلية بأن أفضل مدخل لإستعادة علاقاتها بأفريقيا يمر من خلال إثيوبيا. يعود الاهتمام الإسرائيلي بمياه النيل إلي مؤتمرات بال في سويسرا في عام 1897، الذي وضع حدود إسرائيل بين نهري الفرات والنيل،وأجري ( تيودور هرتزل ) أحد منظري مؤتمر بال الكبار مباحثات في القاهرة بعد ست سنوات علي انعقاد المؤتمر، لإقناع زعماء مصر وبريطانيا التي كانت تستعمر مصر وقتها بتنفيذ مشروع نقل مياه النيل إلي صحراء النقب وسيناء. ففي مارس / آذار 1903 بدأ هرتزل بحثه إمكانية إرواء الصحراء بالمياه بعد مباحثاته مع اللورد كرومر في القاهرة بعدها أجري هرتزل محادثات في لندن تتعلق بالموضوع ذاته مع كلاً من وزير المستعمرات " جوزيف تشمبرلين" ووزير الخارجية " الماركيز لاستروان" اللذين وافقا علي خطته، غير أنه تبلغ من الحكومة البريطانية أنها ستقرر في هذا الشأن لاحقا. ولم يتقلص اهتمام إسرائيل بنهر النيل ثاني أنهار العالم طولاً بعد المسيسبي ( 6695كم) الأمر الذي وجد تفسيراً لدي الباحث الامريكي " توماس ستوفر" الذي شدد في ندوة حول " إسرائيل والمياه العربية" علي أنه { الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية هو جزء من مفهوم إسرائيلى متكامل لسياسة الموارد } . لم يكن بوسع إسرائيل التطلع إلي شراكات في المياه العربية بشأن استغلال المياه في منظور الصراع الناشب منذ 1948 غير أن توقيع اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل في 1978 أنعش التطلعات الإسرائيلية في هذا الجانب.
كلفت الحكومة الإسرائيلية المهندس " اليشع كلي " بدراسة نقل مياه النيل في أعقاب إحراز مفاوضات الجانبين الإسرائيلي والمصري تقدماً ملحوظاً بعد حرب أكتوبر 1973 وقبل أن تكتمل عملية السلام بين الجانبين ـ قدم " كلي" مشروع إلي الحكومة الإسرائيلية في 1974 وكان بمثابة دراسة شاملة حول إمكان الإفادة بسحب 1% من مياه النيل أي ما يساوي 800 مليون متر مكعب سنويا.
وكان مشروع ( ييئور ) الذي تصوره " كلي " يقضي بتوسعة قناة الإسماعيلية إلي 30مترا ومن ثم تنقل المياه إلي قطاع غزة و النقب الغربي. باستمرار مفاوضات الجانبين بشأن السلام كلفت الحكومة الإسرائيلية عدد من الخبراء إلي جانب (كلي) لتطوير الخطة، وتحدث الإسرائيليون وقتها عن " المياه المصرية والخبرة الإسرائيلية" بطريقة تقضي إلي تحويل صحراء النقب وسيناء إلي أرض خضراء في 1979، بدأ الرئيس المصري الراحل أنور السادات أكثر جدية في التحدث عن ( ترعة السلام ) الواصلة بين مصر وإسرائيل ففي العام ذاته أعلن عن موافقته الرسمية وأشار في حديث صحفي مع مجلة" أكتوبر " المصرية في 16 كانون الأول / ديسمبر 1979 إلي أنه يريد " توصيل مياه النيل إلي القدس لتكون في متناول المترددين علي المسجد الأقصى ومسجد الصخرة وكنيسة القيامة وحائط المبكي " وفيما بعد ونظرا لتطور الأحداث في مصر واغتيال السادات ، وتوتر العلاقات المصرية الإسرائيلية تم تجميد التنفيذ وبدا للإسرائيليين أن الاستمرار في خططهم الرامية للإفادة من مياه النيل عبر مصر ستصطدم بعقبات في ظل متغيرات لا تصب لجهة المشروع. كان التهديد الإثيوبي الأول لمصالح مصر المائية في 1956 أثناء حرب السويس بإعلان احتفاظها بحقها في استعمال الموارد المائية لنهر النيل لمصلحة شعبها. ورفعت إثيوبيا درجة تصعيدها للموقف بتقديمها مذكرات احتجاج عامي 56 ، 1957 مطالبة بحقوق " مكتسبة " في مياه السد العالي معلنة عن عزمها إنشاء 33 مشروعا لم ينفذ منها سوي واحد بسبب الحرب الأهلية التي إندلعت آنذاك إلا أن إثيوبيا وبعد زوال نظام منغستوهيلامريام في 1991 شرعت في إنشاء سدود علي الأنهار التي تغذي السودان ومصر بـ 85% من مياه النيل.
يستشعر الإسرائيليون تأثير الدور المصري في حال نجاح مصر في خطط التنمية والبناء وقدرتها علي زعزعة ملف المياه الذي حركته إثيوبيا وكينيا في ديسمبر الماضي ما يهدد مصالح إسرائيل ويعوق استقرارها.
ويشرح الصحفي السوداني الخبير في شئون القرن الأفريقي" سيد أحمد خليفة " أبعاد المخاطر التي تحدق بمياه النيل جراء تقوية علاقة إسرائيل بإثيوبيا بأن ملف المياه لا يغيب أبداً عن الملاحقة الإسرائيلية لمصر خصوصا بعد اجتماع دول حوض النيل في القاهرة في ديسمبر 2003 الذي شهد تحسناً واضحاً في علاقة مصر بإثيوبيا واستشعار إسرائيل الدائم تأثير الدور المصري في حال نجاح مصر في خطط التنمية والبناء وقدرتها علي زعزعة ملف المياة مما يهدد مصالحها. 

النيل والعلاقات الإثيوبية الإسرائيلية:ـ
تري إسرائيل بل وتؤمن بأن مياه النيل هي المخرج الرئيسي لما تعانيه من أزمة مائية . فنسبة صغيرة من مياهه 2 : 1 كفيلة بحل مشكلتها المائية، ولذلك بدأت في السعي منذ الستينات لتحقيق ذلك، فاتفقت مع إثيوبيا علي إقامة عدد من السدود علي نهر النيل لتهديد مصر بقطع المياه عنها، ولكن التجربة فشلت لقيام حرب 1967. وقطعت إثيوبيا ومعظم دول أفريقيا علاقاتها بالكيان الصهيوني، إلا أنه مع اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها السادات 1978 بدأت الدول الأفريقية إعادة علاقاتها مع إسرائيل بل وتركز اهتمام إسرائيل علي أفريقيا، خاصة دول حوض النيل، بعد أن رفضت الحكومة المصرية تنفيذ ما وعد به السادات من إمكانية مد إسرائيل بمياه النيل عبر سيناء ,حيث تسعى إسرائيل للوصول بعلاقاتها مع هذه الدول إلى مستوى العلاقات المتميزة اقتصادياً , ثم تطورها فى مجالات أخرى , تخدم خطط إسرائيل المستقبلية وتمثل علاقتها بإثيوبيا النموذج لذلك .
تسعى إسرائيل لتعميق الشكوك والقطيعة بين دول البحر الأحمر ودول حوض النيل وعلاقات السلام فى القرن الإفريقى . إن انضمام إثيوبيا ل "نادى صنعاء"الذى يضم إلى جانبها اليمن والسودان فى ديسمبر 2003 ,فى تجمع يضم (130) مليون نسمة علاوة على كون النادى قوة سياسية واقتصادية مؤثرة ,سبب إزعاجاً لإسرائيل لخشيتها من مردود ذلك فى إخراج إثيوبيا من عزلتها ,وجرها الى النادى الشرقى والعرب وبالتالى خسارتها كحليف إستراتيجي موضحا أن إسرائيل كانت تغذى المشاعر الانعزالية لدى الإثيوبيين .
مصر من ناحيتها, توجست من قيام نادى صنعاء , خصوصا بتزامنه مع بوادر أزمة مائية مع كينيا , ولا مكان أن يدعم النادى مطالب إثيوبيا المتململة من أن النيل الذى يتدفق من أراضيها , لم يمنع المجاعات , إضافة الى جرف الأراضي الطينية لذا فهى تطالب بإعادة النظر فى اتفاق مياه النيل الموقع فى 1929 . إثيوبيا هى الكاسب الأكبر من الموقف الاقليمى حالياً . فعلاوه على كسبها من قيام نادى صنعاء ,سيكسبها التقارب مع اسرائيل التى ترغب فى تلافى نتائج قيام النادي ,قدرة اكبر على استرجاع ميناء (عصب) الحيوى على البحر الأحمر . وهو الميناء الذى ذهب الى إريتريا فى أعقاب استقلالها, ليترك إثيوبيا من دون منافذ على البحر الأحمر.

أثار عدد من نواب مجلس الشعب والمعلقين السياسيين فى الآونة الخيرة أزمة علاقات مصر مع عدد من دول حوض النيل ,حيث بدأت بعض الدول الموقعة مع مصر ـ مثل كينيا وأوغندا _على اتفاقية منابع النيل فى الإعلان عن نيتها فى الانسحاب من الاتفاقية واستخدام المياه كما تريد . وقد كان حاضرا فى اذهان الجميع مخاطر التغلغل الاسرائيلى فى دول حوض النيل , خصوصا فى إثيوبيا ,وعلى الرغم من حقيقة هذه المخاطر فانها لا تقتصر على إثيوبيا فقط , كما يعتقد الكثيرون, ولكنها تمتد لتشمل دول حوض النيل الاخرى التى شهدت علاقاتها مع إسرائيل تناميا ملحوظا منذ منتصف تسعينات القرن الماضي. ويعتقد الباحث أن هذه العلاقات أصبحت مساوية في نفس درجة الخطورة لنظيرتها مع إثيوبيا.
وتتعدد أهداف إسرائيل ومصالحها من وراء هذه العلاقات حيث يمكن القول بأن السياسة الإسرائيلية تتبع إستراتيجية الالتفاف حول حوض النيل بأنشطة عسكرية وأمنية مكثفة، وتأسيس سياسة الذراع الطويلة الإسرائيلية في هذه المنطقة لمحاصرة مصر وإحتواء دول حوض النيل.
فالسياسة الإسرائيلية تستهدف تهديد الأمن العربي والمصري بمحاولة زيادة نفوذ إسرائيل في الدول المتحكمة في مياه النيل من منابعه، مع التركيز علي إقامة مشروعات زراعية تعتمد علي سحب المياه من بحيرة فيكتوريا وهي تعتمد في تحقيق ذلك علي خلق المشاكل والتوترات بين الأقطار العربية والأفريقية. بما يشغل مصر عن العديد من قضايا المنطقة وأهمها القضية الفلسطينية، كما تستهدف السياسة الإسرائيلية الحصول علي تسهيلات عسكرية في دول منابع النيل واستخدام القواعد الجوية والبحرية ، مثل ما حدث من مساعدات لإسرائيل من قواعد إثيوبيا في عدوان 1967، واستخدام الدول الإفريقية كقاعدة للتجسس علي الاقطار العربية إضافة إلي تصريف منتجات الصناعة العسكرية الإسرائيلية وخلق كوادر عسكرية أفريقية تدين لها بالولاء.

خلاصة:ـ
من الواضح أن أزمة مياه إسرائيل علي درجة من الحدة بحيث أنه قد يصبح من الضروري حلها عن طريق خفض مقدار المياه الذي يستهلكه القطاع الزراعي، مع كل ما يترتب عن ذلك من أضرار. ولما كانت المشكلة تجد جذورها إلي حد كبير في سياسات الاستيطان الأستعمارية والتوسع لالاقليمي للإسرائيل ، فلا مجال للدهشة أن يصل مفوض المياة الإسرائيلي { 1960 ـ 1977 } ورئيس مجلس إدارة "تاهال" { الشركة الإسرائيلية لتخطيط المياة } بعد استبعاد البدائل غير التقليدية ـمثل المحطات النووية لتحليل المياه _ إلي الحل التالي:ـ
ليس هناك إلا حل واحد : تزويد الضفة الغربية بالمياة من الموارد المحلية، فما هي الموارد المحلية؟ . إن نهر الأردن مستغل تقريبا إلي أقصي طاقته من جانب أنبوب المياه القطري، ووسائل الضخ الاخري، ولا يبقي إلا أنه ربما يشير إلي الليطاني أو النيل ، وحتي أدق فحص لخريطة المنطقة لن يكشف أية موارد مائية كبيرة أخري في المنطقة المحاذية لنا أو حتي في المنطقة البعيدة. 
بعد هذا كله تتأكد لدينا قناعة مفادها أن معضلة المياه بالنسبة لإسرائيل معضلة تاريخية ، واكبت كل أطروحات الصهاينة الفكرية ـ وكل سياساتهم ـ ولم يحدث أن توقفت هذه السياسات، ولو للحظة واحدة فعام 1953" عقد في إسرائيل ما سمي بمؤتمر القدس، والذي تخصص في دراسة احتياجات إسرائيل من المياه في المستقبل حيث لا وجود لها بدون مياه، وحيث الإيمان الكامل بأحقية إسرائيل في مياه الأردن واليرموك والليطاني وفي الستينات والسبعينيات أستطاعت إسرائيل أن تسيطر تماما علي روافد مياه نهر الاردن ، فامكنها أن تحصل علي 55% من مياهه في حين حصلت الاردن علي 10% فقط من هذه المياه.
إذا جاز القول بأن الحقبتين الماضيتين 1970 – 1990 م كانت حقبتي ( الصراع حول البترول ) في منطقة الشرق الاوسط ، فإن الحقبتين القادمتين سوف تكون حقبتي صراع حول الماء داخل ذات المنطقة وبخاصة الدول العربية منها.
وبداية تقول الأرقام المائية أن نقطة الضعف الأساسية في حزام الأمن العربي تتمثل في العامل الجغرافي/ المائي للوطن العربي ذاته، فهو يقع في الحزام الجاف وشبه الجاف من العالم، ولذا فإن المياه المتجددة في الوطن العربي تقل عن 1% من المياه المتجددة في العالم ونصيب الفرد العربي منها لا يزيد علي 1744م3 في السنة بينما المعدل العالمي 2900م3 وتشير التقديرات المبدئية التي قدمتها المنطقة العربية للتنمية الزراعية عام 1980 إلي أن مجمل الموارد المائية في الوطن العربي تبلغ 164.885 مليار متر مكعب في السنة، ومجمل الموارد المستخدمة يصل إلي 155.64مليار متر مكعب في السنة منها :
139مليار متر مكعب من المياه المسطحة ، 12 مليار متر مكعب من المياه الجوفية
4.5 مليارات متر مكعب من مياه الصرف ، 0.14 مليار متر مكعب من تحلية مياه البحر
وهذا العجز في الموارد المائية سيواكبه عجزاً غذائياً ، إن الإمكانيات المتاحة ( لمصر) باعتبارها أهم دول منطقة الشرق الاوسط من الموارد المائية تبلغ نحو 60.7 مليار متر مكعب منها 55.5مليار متر مكعب من مياه النيل ، 4.7 مليار متر مكعب من مياه الصرف، 0.5مليار متر مكعب من المياه الجوفية ، في حين أن المستخدم منها 59.5 مليار متر مكعب منها 49.7 مليار متر مكعب للزراعة و 3.3 مليار تر مكعب للاستخدامات المنزلية ، و2.5 مليار مت رمكعب للصناعة و 4 مليارات متر مكعب للكهرباء .
هنا وبمقارنة الإمكانيات المتاحة من النيل ( 55.5) مليار متر مكعب بالمستخدم حاليا في مصر ( 59.5 مليار متر مكعب ) نجد أن مياه النيل لا تكفي لاحتياجات مصر بما يعني ضرورة زيادة إيرادات مصر من النيل، إن هذا يعني أن تأمين العمق الإستراتيجي لمصر وهذا يتأتي بتحقيق أمن وادي النيل حيث يساعد علي التغلب علي المشاكل المثارة في المنطقة والعمل علي حلها حلاً سلمياً ولمقاومته التغلغل الإسرائيلي في المنطقة.
هذه وتقع مواجهة التحديات الرئيسية المرتبطة بإحتياجات مصر من مياه النيل علي مصر ، والمتمثلة فيما ياتي:ـ
1ـ لتحديات الاقتصادية حيث يبعد الأمن الغذائي عن ضرورة معالجة إختلال التوازن بين الانتاج الزراعي وعدد السكان، حيث يلزم إضافة 4ملايين فدان حتي عام 200 تحتاج إلي نحو 20 ـ 24 مليار متر مكعب من المياه.
2ـ الإعتداء علي حقوق مصر المكتسبة من مياه النيل وبالتالي فإن أي مشروع علي أنهار وروافد النيل يمكن أن يؤثر علي إيراد مصر يعتبر مساسا بأمنها القومي.
3ـ المشروعات الإثيوبية والتي تؤثر علي حوالي 20% من الإيراد الكلي لمصر من مياه النيل.

أما عن المصالح والاهداف الإثيوبية نجد أنها ذات طبيعة مختلفة أبرزها فيما يلي:ـ
1ـ إستغلال وجود منابع النيل الازرق داخل أراضيها، والذي يمد كلا من مصر والسودان بنسبة 85% من إيرادات المياة إليها، وذلك للضغط علي السودان لايقاف المساعدات لإريتريا وكذلك لتحصين العلاقات مع مصر وإبعادها عن مساندة الصومال.
2ـ تعديل اتفاقية مياه النيل 1902 التي تري إثيوبيا أنها مجحفة لها، علي أن يتم ذلك من خلال عقد مؤتمر ثلاثي يضم كلا من إثيوبيا والسودان ومصر.
ويمكن التعرف علي المصالح والأهداف الإسرائيلية من خلال مشكلة المياه التي تواجهها والمتمثلة فيما يلي:ـ
1ـ تعاني إسرائيل من قلة الموارد المائية حيث أن حوالي 2.2 من موارد إسرائيل المائية تأتي من الآبار وحوالي 60% من هذه الموارد يذهب إلي الزراعة ولذا فإن الاستخدام العنيف لمياه الآبار يؤدي إلي زيادة كبيرة في نسبة ملوحة الأرض الزراعية وخصوصا تلك القريبة من شاطئ البحر.
2ـ كما أن المشكلة التي تواجه إسرائيل تكمن فقط في قلة المياه وإنما تتمثل أساساً في أن كل المياه المتوفرة موجودة في جزء معين منها، وتريد إسرائيل في سبيل تحقيق أهداف استيطانية أن تمتد الزراعة إلي مناطق أخري بعيدة عن مصادر المياه الأمر الذي يجعلها تتحمل نفقات باهظة لحفظ المياه ونقلها إلي مناطق نائية كالنقب.

وهنا نجد أن التعرض لمصالح وأهداف كل من مصر وإثيوبيا وإسرائيل يجعلنا نتصور حقيقة الأزمة. فقد تنبأ مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن في تقريره الصادر في عام 1986. تحت عنوان "السياسة الامريكية حول مصادر المياه في الشرق الأوسط" بقوله:ـ
إن العقد الحالي" التسعينات " سوف يكون عقد الصراع علي المياه في الشرق الأوسط مما قد يؤدي إلي تمزيق الروابط الهشة القائمة فعلياً بين دول المنطقة . . .وأن ذلك سوف يؤدي إلي عدم إستقرار لم يسبق له مثيل في المنطقة. . . 


2ـ قضايا إقتصادية:ـ
الصراع العربى الصهيونى، صراع أقتصادى، فالصراع بهذا المعنى يصير صراعاً حول الأطماع الأقتصادية لإسرائيل فى المنطقة ، وهى الأطماع التى تتطلب بالضرورة مواجهة يترتب عليها استنزاف للقدرة وإهدار للإمكانيات وهنا يتطور الصراع وتتضح أبعاده ويصبح علينا ان نخوض صراعا طويلا معقدا ، متعدد الأدوار والادوات مع الكيان الصهيوني
الحقيقة التي يمكن أن نخلص إليها بعد ستين عاماً من عمر دولة إسرائيل، أن إسرائيل تمثل نجاح اقتصادي بكل معنى الكلمة، صحيح أن هناك شرائح كبيرة من السكان مازالت تعيش تحت خط الفقر، ولم تصل بعد إلي الاستقلال الاقتصادي الذي كانوا يطمحوا إليه، فمن الصعب إنكار الطفرة التي حدثت علي المستوي الاقتصادي وعلى الرغم من تعرضها إلي موجات هائلة من الهجرة ، حروب ضارية، تضخم مالي عنيف، فترات انكماش متواصلة، ورغم هذه الظروف يمكن إيجاز البيانات الرسمية التي أصدرها المكتب المركزي للإحصاء بشأن قطاع الاقتصاد في جملتين " في السنوات ما بين 1950 إلي 2006 ارتفع معدل الناتج القومي الإجمالي فى إسرائيل بنسبة 5% و 6% في المتوسط في العام ، كما ارتفع الناتج للفرد بنسبة 3% في المتوسط للعام، كما كان الناتج للفرد عام 2008 أكثر ثلاث مرات من الناتج للفرد عام 1950. علماً بأنه أثناء هذه الفترات زاد عدد سكان إسرائيل من 1.4 مليون عام 1950 إلي 7 ملايين نسمة عام 2008، وهي زيادة بنسبة 500% ,
يرجع ارتفاع الاقتصاد الإسرائيلي لعديد من الأسباب أهمها: توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي مع عدد من الدول الإفريقية، حيث وقع وزير الصناعة والتجارة والتشغيل " إيلي يشاي" على اتفاقيات تعاون اقتصادي مع ليبريا ، بنين، رواندا، وبوروندي. وقد تم التوقيع في إطار الحفل الذي أعدته الغرفة التجارية المسيحية الدولية في القدس، والتي دعت خلاله حوالي 500 رجل أعمال من سائر أنحاء العالم في محاولة لدفع التعاون الاقتصادي مع إسرائيل وكانت هذه الاتفاقيات التعاونية في مايو 2008. وقد أعلنت وزارة الصناعة والتجارة الإسرائيلية أن الدول التي وقعت علي اتفاقيات في حاجة ماسة لتحسين مجالات الاتصالات والمياه والكهرباء والطرق.
لا يمكن التحدث عن الاقتصاد دون توجيه النظر إلي جوهره آلا وهي " المياه " فإن إسرائيل قد ركزت عقب قيامها علي الزراعة وجعلتها زراعة كثيفة نظرا لندرة الارض، وندرة المياه ووفرة رأس المال بالمقابل وأستطاعت أن توفي بالفعل 50% من غذاء السكان في عام 1950 وعددهم مليون نسمة وكمنت العقبة الرئيسة عندئذ في عدم كفاية المياه لاستزراع نصف مساحة الملايين الخصبة من الدونمات الممكن زراعتها ، فمعظم مصادر المياه في الشمال بينما الأرض الصالحة للزراعة فى الوسط والجنوب ومع ذلك وخلال هذه الحقبة من تاريخ إسرائيل إستطاعت الإدارة الإقتصادية أن توفر المياه وتؤمن طرق الري . وكان لمشروع نهر الأردن الذي تم تحويل روافده الفضل في ري مساحات إضافية جديدة، وجعلها صالحة للزراعة وإنتهي هذا المشروع عام 1964، علي الرغم من المعارضة العربية الصاخبة.
ولقد ساعد علي العناية بمستوي الزراعة أن الإنتاج فيها كان أقرب إلي الإسلوب الحرفي، لكنه يستخدم فنوناً إنتاجية إضافية متقدمة ، فلقد أدخلت الآلات في العمليات الإنتاجية للزراعة لتطوير الإنتاج، بما يخدم الإستغلال الزراعي ، واستخدمت البحوث الزراعية لتطوير الإنتاج بما يخدم الصناعات. ومع الاهتمام بالمحاصيل الصناعية ومع تطور الصناعة أصبح هناك اتجاه لإحلال المحاصيل الصناعية وسط المستعمرات الزراعية لتستوعب المواد الفائضة. في صناعات غذائية خفيفة، وصناعة الآلات الزراعية والأدوات وقطع الغيار الزراعية، وبعض المبيدات والاسمدة مما يخلق المجتمع الزراعي الصناعي، وكانت الصادرات الزراعية تمثل نحو 40% إلي 50% من الصادرات السلعية في الخمسينات ، وتراوحت بين 20-% إلي 30% في الستينات، أما في السبعينيات فهبطت نسبتها في عام 1974, وفي العقد الثاني واجهت إسرائيل صعوبات في الزراعة حتي السبعينيات، فلم تتم الزراعة إلا بنسبة 107% مقابل 105% للصناعة، وذلك يعود في نهاية الأمر إلي " معضلة الماء" خاصة إذا علمنا حجم المياه التي تحتاجها إسرائيل فعلياً ومصادر إمدادات هذه المياه وكيف أنها تتواجد في أغلبها داخل الارض.

ونتيجة لهجرة اليهود والزيادة الطبيعية وسياسات الإستيطان فإن إسرائيل تواجه أزمة متصاعدة في مجال الاقتصاد المائي.
ونتيجة لأزمة المياه التي تواجهها إسرائيل وأغلب الدول العربية، نجد محاولات اسرائيل المتعددة لتخطي هذه الازمة. فقد كشفت مصادر صحفية عبرية في عام 2000 أن شركات استثمارية إسرائيلية يملكها جنرالات متقاعدون في الموساد تبحث مع الحكومة الإثيوبية حاليا إمكانية المساهمة في بناء جسور علي منابع نهر النيل في الاراضي الإثيوبية للاستفادة من المياه المهدرة التي تتدفق من هضبة الحبشة وذلك في محاولة جديدة للإضرار بالأمن المائي المصري والسوداني، والتأثير علي حصتهما في مياه نهر النيل.
وقال راديو ( عروتيس شيفع) العبري في ديسمبر 2000 إنه شركات متخصصة في مجال الاستشارات الهندسية والإنشاءات قد عرض بالفعل علي الحكومة الإثيوبية مقترحات للمساهمة في القيام بمشاريع إستثمارية علي النيل. وأشار الراديو إلي أن وزارة الخارجية الإسرائيلية قد شجعت هذه الشركات على المساهمة في هذه المشاريع. ولم يفت الراديو العبري أن يشير إلي أن الحكومة الإسرائيلية تدرك حساسية كل من مصر والسودان لمثل هذه المشاريع علي النيل، خاصة أن هناك احتمالاً لأن تؤثر هذه المشاريع علي منسوب تدفق مياه النيل إلي كل من مصر والسودان.
وقد تقدم أصحاب الشركات بالعرض للحكومة الإثيوبية من الجينرالات المتقاعدين السابقين في الجيش والموساد الإسرائيلي يستغلون علاقاتهم الشخصية مع المسئولين الإثيوبيين بغرض كسب عطاءات لمثل هذه المشاريع.
يذكر أن الحكومات الإسرائيلية ـ بغض النظر عن هويتها الحزبية ـ تحرص علي توثيق علاقاتها مع كل من حكومتى إثيوبيا وأريتريا، حيث إن الإستراتيجية الإسرائيلية تقوم علي أساس أن العلاقات مع هاتين الدولتين بإمكانها أن تشكل عامل ضغط علي كل من مصر والسودان، ويؤكد ذلك الصحفي الإسرائيلي " شلومو نكديمون" الذي عمل مستشاراً إعلاميا لرئيسى وزراء إسرائيل السابقين مناحم بيجن و إسحاق شاميرو، حيث يقول: إن الحكومات الإسرائيلية أدركت أنه بواسطة العلاقة مع إثيوبيا وإريتريا يمكن تهديد مصالح مصر الإستراتيجية في منابع نهر النيل.
والمعروف أن علاقة إسرائيل بالقارة الإفريقية بدأت في الخمسينيات ، حيث استطاعت تل أبيب توفير معونات إقتصادية للدول الافريقية، نالت من خلالها دعم هذه الدول ، غير أنه في السبعينيات استطاعت بعض الدول النفطية العربية حصار الدور الإسرائيلي في أفريقيا بزيادة معوناتها الاقتصادية ، ومع بدء عملية السلام بين العرب وإسرائيل في مطلع التسعينيات عادت العلاقات الإسرائيلية الإفريقية إلي ما كانت عليه في الخمسينيات.
يؤكد استطلاع للرأي أجرته جامعة تل أبيب في 2008 أن أغلبية الجمهور في إسرائيل تعتقد أن منح مساعدات إنسانية لدول فقيرة هو مفتاح لتحسين صورة إسرائيل في مختلف انحاء العالم. حيث تشن دولة إسرائيل حملة طويلة ومستمرة فى معركتها من أجل تحسين صورتها أمام العالم حيث يؤكد استطلاع جديد للرأي أجراه معهد " مأجر موحوت" للأبحاث التابع لكلية العلوم السياسية بجامعة تل أبيب أنه غالبية الجمهور الإسرائيلي تقريبا تري أن مفتاح تحسين صورة إسرائيل أمام العالم واضح ألا وهو منح مساعدات إنسانية لدول فقيرة.
وبخصوص المشاريع المائية الإسرائيلية الإثيوبية فقد كشف المحلل السياسي الامريكي " مايكل كيلو" مؤلف كتاب" حروب مصادر الثروة" عن إجتماع عقد بتل أبيب بين أعضاء بالكنيست الإسرائيلي ووزراء إثيوبيين في عام 2007، تناول هذا الاجتماع بحث إقامة مشاريع مشتركة عند منابع نهر النيل وقال في مقال مطول نشرته صحيفة" راندي ديلي ميل " الجنوب الإفريقية أن الأجندة لإسرائيلي خلال اللقاء احتوت علي عدة ملفات أهمها إبعاد مصر عن الملف الفلسطيني، لذلك قام الإسرائيليون بإقناع الوزراء الإثيوبيين بإستكمال المشاريع المشتركة التي كانت قد توقف العمل بها.
وأشار إلي أن هذه المشروعات تتضمن إقامة أربعة سدود علي النيل لحجز المياه، وتوليد الكهرباء وضبط حركة المياه بإتجاه السودان ومصر. وذلك بهدف اشغال مصر في قضية تمس أمنها القومي وهي قضية المياه. فيما كشف الكاتب عن وعد إسرائيل للحكومة الإثيوبية بمعونة مالية تفوق المائتي مليون دولار، بالإضافة لمعدات حربية وأسلحة ثقيلة وعدد من طائرات “F16” الأمريكية لتساعدها في حربها ضد المسلحين بالصومال.
ولفت إلي أن إسرائيل تهدف إلي دعم مشروعات إثيوبيا المائية، إضعاف مصر إقتصاديا، كما إنها لعبت دورا كبيرا مع دول حوض النيل لنقض المعاهدة الدولية التي تنظم توزيع مياه النيل. واعتبر ان هذه الأمر يأتي في إطار الإستراتيجية الإسرائيلية، التي تري أن حصر المعركة مع العرب في الجبهة الحدودية الضيقة لا يخدم إسرائيل لأسباب كثيرة ولذلك لا بد من توسيع هذه الجبهة نحو ما يسمي " دول المحيط العربي" .
وقال د/ مايكل كيلو، إنه في إطار هذا المبدأ عملت إسرائيل علي إقامة تحالفات إستراتيجية مع العديد من هذه الدول وذلك بغرض إضعاف مصر وسوريا والعراق قبل سقوط نظام صدام حسين، وأضاف أن العلاقات العسكرية والأمنية المتميزة التي أقامتها مع إثيوبيا عمدت إلي توقيع إتفاقية علاقة اقتصادية واستشارية مؤثرة بهدف إلحاق الضرر بمصر. ومن جوانبها إقناع إثيوبيا بأن أحد المخارج الاساسية للتنمية فيها إقامة السدود وتعديل معاهدات توزيع مياه النيل. وأردف قائلا إن إسرائيل تري في مصر الدولة المصرية الواجب إضعافها دائما، كونها الدولة الأبرز من دول الطوق القادرة علي مجابهتها سياسيا وعسكريا وإقتصاديا.
وأوضح أن إسرائيل تلعب دورا بين دول حوض النيل ضمن مخطط أمريكي يسعي لانتزاع النفوذ في تلك الدول من أوربا عموما وفرنسا علي وجه الخصوص، ولذلك فإن الإدارة الامريكية توفر لإسرائيل كل سبل التأثير علي دول مثل إثيوبيا وكينيا وروندا وأوغندا والكونغو وذلك بهدف إبقاء مصر في حالة توتر دائم وانشغال مستمر، كما يؤكد الكاتب وختم كيلو قائلا: إن النيل سيصبح في السنوات القادمة قضية حياة أوموت وجوهر القضية أن 95% من موارد مصر النيلية تأتي من إثيوبيا.
لقد قويت العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية ووصلت إلي أوج ازدهارها في عام 2004 ، حيث شهد الجانب الدبلوماسي بين البلدين تنشيطا أخذ إيقاعه في التسارع بشكل غير مسبوق. فقد زار وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفام شالوم ، إثيوبيا في 6يناير 2004 واستمرت 3 أيام وعكست هذه الزيارة توجهاً إسرائيلياً جاداً لتقوية العلاقات مع الدول الإفريقية، وأشارت إلي إمكان أن تقوم أديس أبابا بدور لافت للدفع في هذا الاتجاه، في مقابل مكاسب إستراتيجية ستحظي بها حال رصف الجسور بينها وبين إسرائيل وقالت مصادر سياسية في تل أبيب عن الزيارة" إنها عنصر جيد لتقوية العلاقات مع إفريقيا بصفة عامة وإثيوبيا بصفة خاصة" في حين أكدت صحيفة " بديعوت أحرونوت" الإسرائيلية عشية الزيارة التي تعد الأولى من نوعها إلي إفريقيا منذ 12 عاماً، أن صادرات إسرائيل التكنولوجية إلي أثيوبيا ارتفعت بنسبة500 بالمائة . مشيرة إلي أن وفد من رجال الاعمال المرافقين للمسئول الإسرائيلي مثلوا 20 من أكبر الشركات الإسرائيلية، ومن بينها " تلراد" ، " غيلان" ، " نطافيم" ، بغية توطيد العلاقات الإقتصادية بين البلدين وتؤكد هذه الجدية الإسرائيلية الواضحة في صعيد علاقاتها التجارية بإثيوبيا إلي خطط إستراتيجية تهدف إسرائيل من ورائها إلي تحقيق أكبر مكاسب، من خلال تدعيم علاقاتها بإفريقيا عبر البوابة الإثيوبية. 



3ـ قضايا أمنية وتسليحية:ـ
إن أساس العقيدة القتالية الإسرائيلية هو مفهوم الأمة المحاربة “nation in arms” ومعني ذلك أنه ليست هناك تفرقة بين الجندي المهني والمواطن الجندي، إن كل أمرأة هي مقاتلة وكل رجل علي استعداد للبطولة، وكل منزل قلعة ، إن جميع المدنيين هم مقاتلون وجنود يكونون جزء لا يتجزأ من واجب الدفاع عن الوطن في لحظة الخطر.
من هنا فإن السياسة الإسرائيلية هي سياسة أمنية في المقام الاول، لذا فإنها كما ذكرنا سابقا تستهدف تهديد الأمن العربي عامه والأمن المصري خاصة،كما أنها تستهدف الحصول علي تسهيلات عسكرية في دول منابع النيل واستخدام الدول الافريقية كقاعدة للتجسس علي الأقطار العربية، لذا تهدف إسرائيل إلي تهديد العمق الاستراتيجي لمصر والسودان، بإيجاد حصار افريقي لهما، ولذلك اتجهت إلي جنوب السودان تزكي فيه روح الانفصال والتمرد، حيث تري فيه عازلًا بين افريقيا ومصر والسودان وتسعي لأستغلال ذلك للضغط علي مصر بهدف الحصول علي المياه لصحراء النقب لزراعة مليون فدان لإستيعاب المهاجرين الجدد، ولذلك كانت إسرائيل قد تعاونت مع إثيوبيا بالاتفاق مع ـ جون قرانق زعيم الإنفصاليين في الجنوب ـ علي وقف العمل في قناة " جونجلي " آنذاك، في الجنوب واستخدام ما تم حفره فيها عمليا في حالة قيام دولة انفصالية في المنطقة، وتعهدت إثيوبيا وإسرائيل في المقابل بتقديم كل الدعم الفني والعسكري لمنع وصول المقاتلات والقاذفات المصرية إلي اجواء مدينة جوبا والمناطق الاستراتيجية في الجنوب السوداني، هذا بالإضافة إلي المساعدات العسكرية الإسرائيلية المستمرة لمتمردي الجنوب أنذاك، والتي تقلل من إمكانية حل المشكلة.
ومن جانب آخر تري الولايات المتحدة الأمريكية في إثيوبيا شوكة في حاضر النظام الإسلامي في الخرطوم، وكذلك تعرف قدرة إثيوبيا علي تهديد الأمن القومي المصري، من الناحية المائيه،أما بالنسبة لإسرائيل ، فهى تدعم إثيوبيا بالسلاح من ناحية ، وبالمشورة العسكرية من ناحية أخرى ، فقد اعترف مكتب رئاسة الوزراء الإسرائيلى أنذاك بالسماح لبنيامين نتينياهو ببيع 12 مقاتلة من طراز ميج 21 لإثيوبيا بعد إدخال تعديلات . عليها ـ كما ذكرت صحيفة "جيزواليم بوسط" الإسرائيلية ـ بأن شركة إيليت الإسرائيلية للأسلحة قد زودت اثيوبيا بطائرات حديثة وباعتراف مصدر اثيوبى حيث أكد أن المساعدات الإسرائيلية لبلاده كان لها دوراً فى التفوق على إريتريا، ولذلك العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية قديمة وبالرغم من وجود المصلحة المشتركة بين الجانبين انحازت إسرائيل للعلاقة القديمة لحساب العلاقة الجديدة . لأن إثيوبيا يمكن استخدامها كورقة ضغط ضد مصر والسودان وابتزازهما فيما يختص بمياه النيل .
أمن إسرائيل يعتبر القضية الأسمى التى حاولت إسرائيل تحقيقها منذ نشأتها ، وحتى الأن تحاول ساعية من أجل الإرتقاء إلى درجة الهيمنة ، إلا أن هذا الأمن عادة ما يصيبه بعض الإضطرابات ، حيث أنه فى دراسة إسرائيلية نشرها معهد القدس ذكر فيها أن معدل نمو السكان العرب في المدينة يبلغ ضعفي معدل نمو اليهود فيها. فمن بين حوالي 720ألف هم إجمالي عدد سكان القدس يشكل اليهود 66% من إجمالي السكان بينما يشكل العرب نحو 34% ويؤكدون في معهد القدس للدراسات الإسرائيلية علي انه إذا استمر الامر علي هذا النحو، فمن المتوقع أن يتقلص الفارق ليصبح 60% لصالح السكان اليهود، في مقابل 40% لصالح العرب في عام 2020، ويتساوي عدد السكان من الجانبين في عام 2035. وحسب الدراسة التي نشرها المعهد، فإنه في نهاية عام 1967 كان عدد سكان مدينة القدس 266ألفا و 300نسمة، ومنذ ذلك الحين وعدد سكان المدينة يتزايد بمعدل سريع، حتي بلغ في نهاية عام 2005 ( 719ألفا و900نسمة) أي بزيادة بلغت 170% ، وعلي مدي العقود الاربعة التي مرت منذ حرب الايام السته حرب 1967 تزايد عدد السكان العرب بمعدل سريع للغاية، بينما تزايدت أعداد السكان اليهود من 197ألفا و700نسمة إلي 475ألفا و100نسمة أي بزيادة قدرها 140% بينما السكان العرب تزايدت أعدادهم من 68ألفا و600نسمة لي 244ألفا و 800نسمة في عام 2005( أي زيادة قدرها 257% )
إن معدل النمو السكاني البطئ نسبيا بالنسبة للسكان اليهود في مدينة القدس تسبب في انخفاض نصيب البهود فى المدينة من 74% في عام 1967إلي 66% في عام 2005.
وفي المقابل ارتفعت نسبة السكان العرب من 26% إلي 34% فقط خلال العقد الاخير تراوحت نسبة الزيادة السنوية للسكان العرب بين 3% إلي 4% وخلال العقد الاخير كان معدل النمو بين أوساط السكان العرب أكثر من ضعفي معدل السكان اليهود.
بالإضافة إلي هذه المشكلة التي تهدد أمن إسرائيل فقد كشفت دراسة جديدة أعدها البروفيسور" سامي سموحة لعام 2008" عن ازدياد حدة توتر العلاقات القومية في إسرائيل وبحسب الدراسة يخشي 62% من اليهود تمرد عرب إسرائيل ، بينما امتنع 64.6% عن دخول بلدات عربية في إسرائيل، كما كشفت الدراسة التي تناولت مقياس العلاقات اليهودية العربية الذي عرضت بياناته خلال" مؤتمر حيفا للمسئولية الإجتماعية" الذي عقد في جامعة حيفا أن الجمهور العربي لديه مخاوفه الخاصة به أيضا حيث يخشي 62% من الترحيل الجماعي، بينما يخشي 76% العنف من جانب الدولة.
وكشف المقياس الذي أجراه البروفيسور " سامي سموحة" عميد كلية العلوم الاجتماعية بجامعة حيفا، والحائز علي جائزة إسرائيل في علم الاجتماع لعام 2008 أن أكثر من نصف الجمهور اليهودي والجمهور العربي يعتقدون أن العلاقات بين العرب واليهود ليست علي ما يرام، بل إنها ستزداد سوءا في المستقل. حيث تخشى نسبة 62.2% من الجمهور اليهودي من أن المواطنين العرب يشكلون خطراً علي أمن الدولة بسبب ارتفاع معدل الإنجاب بينهم، بينما تخشي نسبة 80% من تأييد عرب إسرائيل للنضال الذي يخوضه الشعب الفلسطيني، كما يخشي 80% من العرب المساس بحقوقهم كمواطنين، ونحو 83% قلقون من مصادرة جماعية للاراضي. كما قد ارتفعت نسبة العرب الذين يرفضون حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية صهيونية ، من 62.6% في عام 2007 إلي 64% في عام 2008.
كما ارتفعت نسبة الاشخاص الذين يرفضون حق إسرائيل في الوجود اساساً بين مواطينها العرب من 15%عام2007 إلي 20% عام 2008. كما ارتفعت نسبة من يؤيدون العنف من أجل دفع شئون الأقلية العربية من 9.5% عام 2007 إلي 10.8% عام 2008، فيما ترفض نسبة 18% من الجمهور اليهودي حق العرب في الوجود كأقلية في إسرائيل مقابل نحو 16% في عام 2007.
إجمالا تخشى نسبة 48.3% من الجمهور اليهودي عدم قدرتها علي منح الثقة للمواطنين العرب، بينما تخشي نسبة 60.2% من الجمهور العربي عدم قدرتها على منح الثقة للمواطنين اليهود، في حين أن 37% من الجمهور اليهودي يؤدون تشجيع العرب علي ترك إسرائيل، ونحو الثلث يؤيدون الحق في التصويت في انتخابات الكنيست، و سجلت المقاييس التي ترصد إمكانية التعايش بين الجانبين مستويات منخفضة وتكشف هذه المقاييس عن أبعاد الصدع العميق بين العرب واليهود.
نتيجة لهذه الإحصائيات والدراسات التي تؤكد علي اهتزاز أمن إسرائيل من الداخل، نجد أننا نتطرق إلي قضية هامة قد اتخذتها إسرائيل وسيلة لحمايتها وثبات أمنها الداخلي وسط هذه المخاوف هذه القضية هي قضية هجرة يهود الفلاشا و الفلاشا مورا من إثيوبيا إلي إسرائيل.

قضية الفلاشا:
عمليات الهجرة اليهودية مستمرة من الخارج إلي الداخل، ومن كافة أنحاء العالم، وكانت هجرة اليهوت السوفييت ويهود الفلاشا الإثيوبيين هي أبرز أنواع هذه الهجرات، لقد استخدمت إسرائيل كافة الوسائل في عمليات جذب هؤلاء اليهود إليها، ونجحت بالفعل في ذلك في حين فشل الجانب الغربي، بإمكاناته المادية الهائلة. في إيقاف هذه العمليات وكانت أشهر هذه العلميات ما تم في مايو 1991 من تهجير 21 ألف من يهود الفلاشا الإثيوبيين في 18 ساعة فقط قبل سقوط نظام منجستو بساعات فيما وصف بأنه أسرع عملية لنقل المهاجرين اليهود في التاريخ الحديث، وفي ذلك الوقت ما بين عام 1987 ( عقب أحداث الإنتفاضة) وعام1992، تصاعدت هجرة اليهود السوفييت وتوطينهم في فلسطين، وكانت هجراتهم تتم يوميا، بمعدل 2000 مهاجر سوفيتي يصلون يوميا إلي فلسطين بواسطة طائرات تابعة للخطوط المجرية وغيرها من خطوط الدول الشرقية، وقد استغل الصهاينة أحداث أذربجان عام 1988 للتعجيل في تهجير اليهود من هناك والبالغ عددهم حوالي 50ألف، ثم أحداث الخليج 1991، والذي يلوح في الأفق أنه عملية الهجرة الجماعية التي تمت قد رتبت بالتنسيق ما بين روسيا وأمريكا، حيث أوقفت أمريكا عملية السماح لليهود السوفييت بالهجرة إلي إمريكا مع أن أكثرهم كان يرغب في ذلك.
وقد تمت عملية دمج المهاجرين الجدد في المجتمع الصهيوني وذلك بعد ان تكفلت بهم الوكالة اليهودية. وقد قال نائب رئيس القوي البشرية في جيش الاحتلال" البريغادير يومي ليتمان" آنذاك { إن الجيش وضع خطة رئيسية لاستيعاب تدفق المجندين الجدد من الاتحاد السوفييتي وأن العديد منهم سيواجهون الفلسطينيين وجهاً لوجه لأول مرة عندما ينضمون إلي القوات الإسرائيلية ويهود الفلاشا في القيام بدوريات في المدن و القري والمخيمات في الأراضي العربية المحتلة } وقد تم إعداد ميزانية جديدة للكيان الصهيوني بلغت 62.54 مليار شيكل أي ما يزيد عن 31 مليار دولار أمريكي، وقد بلغ العجز في الموازنة 4.22ملياء شيكل في ذلك الوقت.
أما فى عام 2004 فقد أفلح الإسرائيليون في تهجير عدد لا بأس به من الفلاشا حيث أنه في نفس العام، زار وزير الخارجية الإسرائيلي " سيلفام شالوم" إثيوبيا كما ذكرنا أنفا، لم يحصر شالوم أنشطته الدبلوماسية الضخمة في المحادثات التي جرت بينه وبين الرئيس الإثيوبي " جرما ولد جرجس" ورئيس الوزراء" ميلس زيناوي" ووزير الخارجية" سيوم مسفين" فالمسؤول الإسرائيلي توجه إلي منطقة جوندار شمال البلاد (750 كم) من العاصمة أديس أبابا، في جولة قصد منها لقاء أعضاء من الجالية اليهودية، وقال التليفزيون الإثيوبي الرسمي أن المسؤول الإسرائيلي توجه لزيارة ( مواقع تاريخية في شمال البلاد ) ولم يشر للفلاشا والفلاشا مورا، وكانت قضية " الفلاشا مورا" المجموعة الإثيوبية الذين يبلغ عددهم 60 ألفا ويقيم 10 آلاف منهم في معسكر في مدينة جوندار تشرف عليه القنصلية الإسرائيلية في انتظار الترحيل للحاق بأقاربهم الذين يعيشون غالبيتهم في مستوطنات فى الضفة الغربية، أثيرت علي نحو واسع في داخل إسرائيل في فبراير 2003 ، نظرا لمطالبتهم الجمعية بالإفادة من حق العودة الذي يسمح لكل يهودي خارج إسرائيل بالإقامة فيها، مما دفع الحكومة الإسرائيلية لإعطاء الضوء الأخضر بخصوص ترحيل 17ألفا من إثيوبيا في 16 شباط / فبراير 2003، الأمر الذي يعيد إلي الأذهان عملية (موسي) لترحيل الفلاشا من إثيوبيا إلي إسرائيل عبر الأراضي السودانية في 1987 بتسهيلات من حكومة جعفر نميري ودعم واشنطن،وكما ذكرنا سابقاً ، حيث قامت إسرائيل فى عامى 1984 و 1991 (عمليتى موسى وسليمان ) بنقل حوالى 80 ألفاً من الفلاشا والفلاشا مورا من إثيوبيا وإسرائيل إضافة إلي ثمانية ألاف أخرين ما بين عامى 2000و2002 وبحث وزير الداخلية الإسرائيلي وقتها" ناتان شارنسكي" ملف يهود الفلاشا والفلاشا مورا، في زيارة إلي إثيوبيا في التاسع من إبريل 2000
للتحقق من انتمائهم للديانة اليهودية، في اثر تشكيك دوائر إسرائيلية في صحة انتسابهم لليهودية، وفي حين انشغلت دوائر صنع القرار في إسرائيل طوال العقد الماضي بهذه القضية. دفع وزير الخارجية وقتها " إيلي يشاي" حديثا في اتجاه استيعاب 60ألفا من الفلاشا مورا والفلاشا، بالتشاور مع الحاخام " عوباديا يوسف" بفحص يهوديتهم. وأوفد يشاي نائبه " دافيد أزولاي" إلي إثيوبيا علي رأس وفد من الداخلية الإسرائيلية والحاخام الشرقي لتل أبيب "شلومو عمار" .واسفر تدقيق الوفد عن تهجيرهم لإسرائيل وفقاً للتقرير الذي رفع لجهات عليا متضمنا صحة انتسابهم لليهودية، و مواجهتهم خطر الموت جراء ظروف حياتهم الصعبة، من ناحيتها عارضت وزارة الإسكان الإسرائيلية إجراءات التهجير. محذرة من أثقال خزينة الدولة ومما أسمته "عملية لا لزوم لها" غير أن قرار الحكومة الإسرائيلية في شباط / فبراير2003 حسم الجدل لتنطلق عملية " يوسف" تقديراً لجهد الحاخام عوباديا يوسف بكلفة ملياري شيكل سنويا.
وعلي الرغم من المعارضة الشديدة التي تلقاها قرارات جلب مزيد من اليهود إلي إسرائيل، نظرا للأعباء التي تفرضها علي الخزينة الإسرائيلية، فإن عدد المسلمين الذين سيبلغ _ 1.677) مليون بحلول 2020، فضلاً عن النمو الإنجابي بنسبة 3.65بالمائة، يشكل هاجساً حقيقياً بالنسبة للإسرائيليين وينتاب الإسرائيليين قلق بالغ جراء الوضع الديمغرافي الذي يشير إلى رجحان الكفة العربية في العقود الثلاثة المقبلة، مما دفع بعض المسئولين والباحثين الإسرائيليين لتوقيع زوال إسرائيل في الوقت القريب، في المقابل يشدد رئيس المبادرة الوطنية الفلسطينية ( د. مصطفي البرغوثي ) علي أن تهجير 60ألف من يهود الفلاشا والفلاشامورا إلي إسرائيل بمثابة حجة المفلس واللافت هنا أن البرغوثي حدد عدد الذين تنوي إسرائيل تهجيرهم بـ (60) ألف ثلاثة أضعاف ما أعلنت عنه الحكومة الإسرائيلية، مما يشير بإشارات دالة علي أن تهجير سري سيرافق التهجير العلني. وقد نوه البرغوثي إلي أن التهجير لن يحل مشكلة إسرائيل في إطار ما وصفه ببحث إسرائيل عن" مرتزقة" مشيراً إلي أن 30% من المهاجرين الروس ليسوا يهودا وإنما مسيحيين أرثوذكس، مما أحدث جدلاً في إسرائيل ، تواصل في شأن 300ألف يهودي هاجروا خلال 2003،2002 تأثراً بالانتفاضة استقر 20ألف منهم في تورنتو بكندا وحدها. وجذر البرغوثي من مردودات الاستهانة بالخطوات الإسرائيلية الواسعة في إتجاه الهند والصين وإفريقيا من خلال البوابة الإثيوبية علي حد وصفه.
وفي شأن الأبعاد الإستراتيجية لزيارة شالوم إلي إثيوبيا ، نبه البرغوثي إلي محاولات إسرائيل جعل قوتها ليست محصورة في الصعيد العسكري فحسب، وإنما خلق قوة اقتصادية مما يؤثر حتماً علي الأمن القومي العربي. لأن إسرائيل بحسب البرغوثي تقود حملة لضرب مصر ووضعها في كماشة علاوة علي استهدافا الأمن الإستراتيجي لمصر والسودان من خلال إيجاد موطئ قدم في منابع نهر النيل علي الرغم من توقيعها اتفاق سلام مع مصر ، ما عاد يكفي ساسة إسرائيل للشعور بأن جانبها آمن.

التسلح النووي:ـ
التسلح لا يقتصر علي الجانب العسكري فقط، أي لا يتوقف معني التسلح عند حد السلاح والقدرة النووية، وقوة الجيش وتعداده، وإنما يتعدي معناه ليشمل ما قاله شيمون بيريز في مقولته :" يجب أن تهتم أوربا بنا لما تمتلكه أيدينا، فموقعنا الممتاز يعتبر قوة تمكننا من أن نسد الطريق في وجه القومية العربية، وأن تكون بديلاً لقناة السويس، وأن نشكل ضغطا علي الدول المنتجة للبترول وتلك التي تنقله".
أما بالنسبة لعلاقات التسلح بين البلدين فقد ترددت الأنباء حول توقيع إثيوبيا لعدة اتفاقيات مع إسرائيل دون الإعلان عنها. عام 1998 منها اتفاقية تعاون بحري بين قطع أسطول البلدين في البحر الأحمر , وإجراء الإصلاحات الفنية اللازمة للقطع البحرية الإسرائيلية في المواني الرئيسية علي شاطئ إرتريا.
في حوار مع سفير إثيوبيا في اليمن حول " العلاقات الإثيوبية اليمنية" تطرق المحاور للعلاقات الإثيوبية الإسرائيلية، وسأل السفير الإثيوبي حول حقيقة الأنباء التي تحدثت عن نصب صواريخ إسرائيلية نووية في إثيوبيا تجاه مصر والسعودية ، فأجاب بان هذا اختلاق وكذب، وماهي الا أنباء تنشرها الصحف لكي تلفت أنظار شاريها ، ليس إلا . . . . ؛ ومن الملفت للنظر أن إثيوبيا لم تنف هذا الخبر، وأضاف قائلا بأن لأثيوبيا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل مثل أي دولة أخري وغيرها من دول العالم.
العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية غير واضحة، كما حجم مخزون الأسلحة النووية الإسرائيلية غير معروف، لكن يعتقد علي نطاق واسع أنه مكون من 100 ـ 200 رأس حربي من البلوتونيوم. ووفقا لواحد من التقديرات كانت إسرائيل تملك في كانون الأول /ديسمبر2005 ما يصل وزنه 0.56طن من البلوتونيوم العسكري، أو ما يوازي حوالي 110 رؤوس حربية، علي افتراض أن كل رأس خربي يحوي 15كلغ من البلوتونيوم، غير أن جزءا فقط من هذا البلوتونيوم تم استخدامه لإنتاج رؤوس حربية. وقدرت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية في 1999 أن إسرائيل قامت بتجميع 60ـ80 رأسا حربياً نووياً، ويعتقد كثير من المحللين أن لديها ترسانة نووية مبيته ( أي ترسانة مخزونة لكنها غير مسلحة ، وتتطلب تحضيرات قبل الاستخدام) فإذا كان هذا صحيحاً؛ فقد لا تكون الرؤوس الحربية لما يزعم أنها أنظمة إسرائيل لإيصال أسلحة منشورة فعلاً، ويعتقد أن أنظمة الإيصال هذه هي طائرات ضارية وصواريخ باليستية ذات قواعد برية وربما صواريخ كروز تطلق من البحر. وهناك شائعات تتحدث عن احتمال قيام إسرائيل بإنتاج أسلحة نووية غير استراتيجية، منها قذائف مدفعية وذخائر تدمير نووية.
في 6 تموز/يوليو2006 وقعت إسرائيل عقد لشراء غواصتين هجوميتين تعملان بالديزل ـ الكهرباء ـ من طراز (تايب 800 دولفين) من ألمانيا، مع حق شراء غواصة ثالثة . وحين تسلم الغواصتان الجديدتان ، بعد سنة 2012 فإنهما ستشكلان إضافة إلي أسطول إسرائيل الحالى المكون من ثلاثة غواصات من الفئة نفسها، وتوحي بعض التقارير باحتمال أن تكون إسرائيل قد طورت صاروخ كروز يطلق من البحر (SLCM) وذا قدرة نووية ومستنداً إلي الصاروخ " هاربون " الأمريكي الصنع، وأبانها عدلت أنابيب طوربيدات الغواصة بما يمكنها من إطلاق صواريخ.
وما زالت إسرائيل تعتمد سياسة الغموض النووي، فلا هي تؤكد ولا هي تنفي رسمياً امتلاكها أسلحة نووية، إلا أن في كانون الأول /ديسمبر2006 ألي رئيس الحكومة الإسرائيلية "إيهود أولمرت" بتصريح فسر علي نطاق واسع بأنه إقرار صمني بان إسرائيل تمتلك ترسانة نووية.
لن تهدأ إسرائيل حتي تحقق من القوة ما يعينها علي استكمال نبوءتها، ولم يتأتي هذا الحلم الصهيوني الكبير إلا بمساعدة بعض الأعزاء الكرام أمثال إثيوبيا.



الفصل الثالث
تأثير العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية علي الأمن القومي المصري



المبحث الأول
تهدي الأمن القومي المصري

اتجهت السياسة الإسرائيلية لتركيز جهودها من اجل الالتفاف حول مصر، وقد تكثفت الجهود الإسرائيلية من أجل اللعب بالعديد من الأوراق بعد فشل الخطط السابقة وتصاعد إسرائيل العديد من الدول المعادية لها. فالسياسة الإسرائيلية تستهدف تهديد الأمن المصري عن طريق العديد من المحاولات منها:ـ
تفكيك السودان:ـ
إن جزء أساس من إستراتيجية أمريكا وإسرائيل فى تعاملها مع الدول العربية هو السعي إلي تفتيتهم، وإضعافهم إما بتقسيمهم إلي دويلات أو تجزئة الدول العربية إلي كانتونات طائفية مثلما الحال في لبنان وكما هو الوضع في اتفاق السودان، فاتفاق السودان الأخير يجمع الصورتين من التقسيم. ففي الفترة الانتقالية يتم تقسيم السودان إلي إقليم شمالي يحكم بدستور مستمد من الشريعة الإسلامية،وإقليم جنوبي يحكم بدستور مستمد من أعراف وديانات الجنوب، ويجمع بين الكيانين اتحاد كونفدرالي دستوري علماني، ثم بعد ذلك يعطي للجنوب حق تقرير المصير، ويتوقع المراقبون أن هذا سيؤدي بانفصال الجنوب، وهكذا فقد تم بذلك بدء تقسيم السودان، وإذا انقسمت السودان فإنه ينذر بانقسام الدول المجاورة ومن بينها مصر.
إذ حذر الدكتور " أسامة الباز" مستشار الرئيس المصري للشئون السياسية، وهو أحد صانعي السياسة المصرية، من كف تقسيم السودان يمكن أن يؤدي إلي تقسم الدول المجاورة، بل إن الحكومة المصرية لم تقلق من مسألة المياه مثل قلقها من خطورة انفصال الجنوب، إذ حاول الباز طمأنة المتخوفين من تأثير الاتفاق علي حصة مصر من مياه النيل بالقول" إن تقسيم السودان لن يكون له أي تأثير علي مياه النيل لأن هناك اتفاقات تحدد حصة مصر منمياه النيل، وكان الدكتور أسامة الباز قد حذر قبل ذلك من مخاطر تقسيم السودان، وأكد سعي مصر للمحافظة علي حدود الدول الإفريقية كما هي، وأعرب عن اعتقاد بان السماح بتجزئة السودان إلي جزأين سيكون " ظاهرة معدية " قد تمتد إلي دول أخري مجاورة علي أساس قبلي ولغوي وديني، الأمر الذي يؤدي إلي خلق حالة كبيرة جدا منعدم الاستقرار والفوضى في المنطقة.
ولقد تأكد هذا الخوف المصري من انفصال الجنوب أثناء لقاء الوفد السوداني مع الرئيس المصري " حسني مبارك" إذ شدد مبارك خلال اللقاء علي توضيح موقف مصر المؤيد لوحدة السودان، وبالتالي رفض انفصال الجنوب، وطلب من المبعوثين السودانيين نقل هذا الرأي إلي الرئيس عمر البشير. وأكد مبارك أن مصر تقف بقوة مع السودان الشقيق في مساعيه لتحقيق الاستقرار، وتقف مع وحدة السودان، ومع الشعب السوداني في سعيه من أجل تثبيت هذه الوحدة في إطار سودان واحد قوي،؟ يتمتع فيه كل أبنائه بحقوقهم كاملة، ويجنون جميعا ثمار الثروة القومية السودانية، وأكد المستشار الإعلامي السوداني في القاهرة" الخاتم عبد الله" في تصريحاته له إن مصر لديها تحفظ واضح وهاجس كبير، بشأن قضية تقرير المصير وفصل الجنوب.
أما الان ومن الأحداث الأخيرة ، قرار اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير مما شكل خطورة علي الأمن القومي المصري، لما يترتب علي هذا القرار من خلق حالة من الفوضى علي الحدود المصرية ، بالإضافة إلي ما قد يترتب عليه من تفكك السودان، وتأثير هذا التلاعب بمياه النيل.
وقال الدكتور " هاني رسلان" رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، إن قرار اعتقال البشير لن يصب في مصلحة الأمن القومي المصري وخاصة لو تم تصعيد القرار من قبل مجلس الأمن، لما له من تأثيرات سلبية علي وحدة السودان الداخلية. " وأشار رسلان إلي" أن أي تصعيد للموقف سيضع مصر امام مجموعة من المخاطر، أهمها ضرورة إعادة صياغة التوازنات الإستراتيجية بمنطقة حوض النيل، بالإضافة إلي فقدان لسيطرة علي أمن البحر الأحمر، وما قد يترتب علي هذا القرار من خلق قوي سياسية في الجنوب السوداني. تقوم بالعبث بمياه النيل، لمصلحة دول أخري، للضغط علي مصر، سياسيا واقتصاديا وأكد أن أي تدهور للأوضاع السودانية قد يؤدي إلي قطع الطريق أمام مصر إلي أي شراكه أو تعاون سياسي أو اقتصادي مع دول حوض النيل بداية من السودان وحتي منطقة القرن الإفريقي.
وأضاف " إدراك مصر لمدي خطورة هذا الموقف هو ما دفعها للتحرك أكثر من مرة لمحاولة استصدار قرار بتأجيل المحاكمة، ثم المحاولة الحالية التي تجري لاستصدار قرار بتجميد اعتقال البشير" ووصف رسلان البيان الصادر من الخارجية السودانية عقب صدور قرار الاعتقال ، والذي يؤكد مشاركة البشير في قمة الدوحة بأنه تحد واضح للمحكمة الدولية، ودليل علي إصرار السودان موقف الرفض لتدخل المحكمة الدولية بأي شكل من الأشكال في سياستها الداخلية. وأعرب اللواء محمد خلف مستشار مركز الدراسات الشرق الأوسط، أن إصرار السودان علي تحدي قرار المحكمة الدولية، قد يضع الدول العربية والدول المضيفة في موقف محرج مع المحكمة الدولية،والدول المحركة للقرار وعلي رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، وأشار خلف إلي أن الجهود المصرية التي تبذل تؤكد علي إدراك الخارجية المصرية والقائمين عليها، بمدي خطورة الوضع في حالة سقوط البشير، وخلق حالة من الفوضى علي الحدود المصرية. إن مصر ستشارك مع غيرها في محاولة استصدار قرار بتأجيل قرار اعتقال البشير، ولكن الأزمة الحقيقية هي أن مصر لا بد أن درك أن عراقا أخر علي وشك الظهور علي حدود مصر.

2ـ تعاظم الدور الصهيوني والأمريكي في أفريقيا:ـ
ثاني النقاط التي تعتبر خطيرة هو التخوف من تعاظم الدور الصهيوني والأمريكي في هذه المنطقة، ولقد عبر المسئولين السياسيين عن هذه المخاوف بكل وضوح؛ فقال المستشار الإعلامي السوداني في القاهرة " الخاتم عبد اله" إن مصر لديها تحفظ واضح وهاجس كبير، بشأن قضية تقرير المصير، وفصل الجنوب لأن قيام دولة في الجنوب معناه تمكين إسرائيل من الوجود هناك، بما يعني تهديد الأمن القومي المصري، ولقد أكد الدكتور / جمال عبد الجواد ـ وهو محلل مصري ـ هذه المخاوف في تقرير نشرته الإذاعة السويسرية حيث قال{ وتصنيف الظروف التي جري في سياقها توقيع بروتوكول مكاكوس بين الحكومة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان أسبابا إضافية للقلق في مصر، فقد لعبت الولايات المتحدة دورا رئيسيا في التوصل إلي هذا الاتفاق وهو ما لا يمثل مصدرا لارتياح في مصر، فعلي الرغم من العلاقات المصرية الأمريكية الوثيقة في مجالات متعددة، إلا أن مصريين كثيرين داخل دوائر صنع القرار وخارجها، ينظرون بعين الشك والريبة إلي النشاط والوجود الأمريكي في الجوار المباشر،وبينما يرجع جانبا من هذا الشك إلي علاقة واشنطن الوثيقة بتل أبيب كما يرجع جانب منه إلي بقايا الإيديولوجيات المعادية للغرب في السياسة والثقافة المصرية، فإن جانبا مهما من هذا الشك يرجع إلي قلق المصري من زيادة نفوذ الدول العظمي التي لا يستطيع أحد أن يتنبأها أو سياساتها أو يسيطر عليها في الجوار المصري.
وتتعزز هذه المخاوف المصرية بسبب تعمد الأطراف القائمة علي الاتفاق تجاهل مصر وعدم إشراكها في المفاوضات التي أوصلت إليه، بينما ركزت السياسة المصرية في السنوات الأخيرة علي العمل علي موازنة نفوذ الدول الأفريقية المعنية بالشأن السوداني والمنطقة في تجمع " الإيجاد" والتي عادة ما كانت وجهات نظر أكثر قربا لوجهة نظر المعارضة الجنوبية المسلحة، ومما يزيد من المخاوف في ذلك الجانب، هو سعي إسرائيل العملي لاختراق جنوب السودان وذلك من خلال العلاقة الوثيقة مع الجيش الشعبي لتحرير السودان، حيث يدرك القادة الإسرائيليون أن السودان وذلك بموقعه الجغرافي وأنوعه العرقي إنما يقوم علي دوره العربي والإسلامي وحتي الأفريقي باعتباره يشكل نموذجا للتعايش العربي الإفريقي المنشود، لذلك فإن الوقوف إلي جانب { جون قرنق } الزعيم الانفصالي؟، إنما يجهض السودان اقتصاديا وسياسيا ويعيقه عن أداء هذا الدور الهام، ولا يمكن فصل جهود الكيان الصهيوني في التعاون مع حركة التمرد الانفصالية في جنوب السودان عن جهود إريتريا الحليف الرئيسي لدولة الكيان في هذا الشأن. فالتعاون بين أفورقي ـ الذي يلعب دور الوكيل لدولة الكيان ـ وبين جون قرنق. إنما يهدف بشكل أساسي إلي إكمال لمثلث الإستراتيجي الذي يطوق العرب ويسمح بالتحكم في مياه النيل وباب المندب، هذا المثلث الذي يتكون من إثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان.
بالإضافة إلي خطر القرصنة الذي قد يؤدي في النهاية إلي تدويل مياه البحر الأحمر، حيث لا يمكننا نزع مشهد التداول المذكور عن المخطط الأمريكي لاختراق القارة الأفريقية، وإعلان قيام عسكرية أمريكية خاصة لإفريقيا " أفريكوم" وهنا يمكن عد تدويل مياه البحر الأحمر امتدادا طبيعيا لمشروعات عسكرة الوجود الأمريكي في أفريقيا. إن الحديث عما وراء الخطط الأمريكية الصهيونية سواء علي صعيد البحر الأحمر أو في قلب الدول الأفريقية حيث تسعي" إسرائيل" أولا إلي بعث الحياة في مشروع القناة المذكورة، والهدف الرئيسي من ورائها هو إفقاد " قناة السويس" أهميتها الإستراتيجية وتوجيه طعنة نافذة في قلب مصر.
أصبحت إسرائيل وإثيوبيا بعد إستراتيجي أمريكي هما المسؤولان عن تحطم قواعد الأمن القومي المصري، فبعد أن استولت إسرائيل علي المدخل الشرقي لهذا الأمن كدت نشاطها لتصل إلي المدخل الجنوبي بمساعدة أثيوبية خليفة معها لإحداث اهتزاز داخل السودان ومن ثم تفكيكه بل تفتيته، لقد وضعت إسرائيل أقدامها علي خطوط الدفاع الأولى عن أمن مصر في الشرق والجنوب.

3ـ قضية القرصنة:ـ
رغم أن القرصنة ظاهرة قديمة مرتبطة بتهديد حرية الملاحة ومهاجمة السفن و السطو عليها إما لسرقة محتوياتها أو لطلب فدية، إلا أن ظهورها بكثافة في منطقة القرن الإفريقي عام 2008، ولا سيما أمام شواطئ الصومال وفي خليج عدن جعلها تمثل تهديدا لمصالح الاقتصاد العالمي، فضلا عن تعطيل وصول المساعدات الغذائية إلي الصومال، التي تعاني بدورها من الجفاف والمجاعة بسبب الحروب الأهلية، إضافة إلي تهديد البيئة بكارثة تسرب كميات من النفط، فضلا عما توفره القرصنة من أموال وأسلحة ومؤن وموارد لحركات التطرف في منطقة القرن الأفريقي.
ويبدو أن دورة حياة القرصنة في منطقة خليج عدن وسواحل الصومال قد بدأت منذ فترة طويلة ، لكنها توقفت إلي حد ما عندما تولت المحاكم الإسلامية مقاليد الأمن عام 2006، لكن التدخل الإثيوبي لإزاحة المحاكم الإسلامية أعاد للقرصنة حيويتها من جديد، فأمراء الحرب في الصومال عادوا مرة أخري لمباشرة أنشطتهم، فقاموا بتجنيد العديد من الصوماليين الذين فقدوا وظائفهم بسبب المنافسة الدولية في مجال صيد الأسماك، وضموا عددا من خفر السواحل الصوماليين الذين تم تسريحهم ووظفوا عددا من خبراء التقنية الاتصاليه المرتزقين من الروس وغيرهم، وكونوا عصابات القرصنة تتراوح أعدادها إجمالا بين 1000إلي 2000قرصان، توزعوا علي أربع عصابات رئيسية.
أصبحت ظاهرة القرصنة أكثر تعقيدا وسرعة وخطورة ، ووصلت في دورة حياتها إلي مرحلة النضج. ويتضح ذلك النضج في تزايد عدد هجمات القراصنة التي تقدر بـ 84 هجمة عام 2008 وإن كان المكتب الدولي للملاحة البحرية بلندن قد قدرها بـ 60 هجمة، كما أن هناك مؤشرات أخري علي خطورة هذه الظاهرة وتطورها، فبعد أن كانت الفدية التي يطلبها القراصنة محصورة في مئات الآلاف من الدولارات، وصلت إلي 30 مليون دولار في حالة السفينة الأوكرانية التي حملت دبابات وأسلحة مما جعل العمل بالقرصنة أكثر جذبا للصوماليين والمرتزقة.
ـ ولكن التساؤل الأساسي هنا هو من وراء هذه العمليات ؟ أي من الذي يدعم القرصنة ويوجهها؟
لقد أقام المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية ورشة عمل هامة عن أمن البحر الأحمر من الإرهاب البحري إلي لقرصنة البحرية والتي كشف الستار عن أبعاد جديدة للقرصنة البحرية وتمركزها حاليا في الصومال وشرحت الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في هذه القرصنة، وأن هذه القرصنة تأتي عن طريق مساعدات أمريكية وتقيد التواجد الإسرائيلي في القرن الإفريقي والمصالح المتشابكة فيها وكيف تدير إسرائيل الأحداث بشكل غير مباشر بمساعدة بعض الدول الإفريقية وخاصة إثيوبيا، وأكد الخبراء السياسيون والاقتصاديون أن البحر الأحمر هو أمن قومي عربي وليس مصري فقط لذا يجب حمايته.
هناك ثلاث تفسيرات للدوافع الأساسية التي تتعلق باختطاف السفن من السواحل الصومالية وهم:ـ
1ـ التفسير الأول :ـ يقول أن ما يحدث هو " قرصنة " وهو ما تروجه أمريكا وأوربا ولكن بالتدقيق فيما يحدث لن نجده قرصنة وفقا لاتفاقية جنيف عام 1958 لأن وفقا للاتفاقية فإن تعريف القرصنة هو " عملية إكراه في البحر العام لتحقيق نفع شخصي دون وجود أي سلطة مسئولة تساند هذه العمليات" ولكن ما يحدث هو أن السلطة الصومالية تساند هذه القرصنة كما أن القرصنة بها قتل وسلب ولكن ما يحدث هو اختطاف وطلب فديات.
2ـ التفسير الثاني:ـ أن ما يحدث من اختطاف للسفن علي السواحل الصومالية هو" دفاع شرعي عن النفس " بمعني لا توجد حاليا دولة صومالية من الناحية الفعلية ذات سيادة ولا يستطيعوا الدفاع عن أمنهم القومي في البحر لذا فهذه الجماعة تصدت للدفاع عن المياه الإقليمية للصومال وأخذ فدية عنوه من دخول السفن للمياه الإقليمية الصومالية.
3ـ التفسير الثالث : تساؤل يقول " من يقوم بهذه الأفعال"؟ ويوضح أن هناك 4 جهات هي المسئولة عن هذه الأحداث وتدعمها الولايات المتحدة الأمريكية وهم:ـ
*القوات الإثيوبية
*الحكومة الانتقالية في الصومال وضعفها الذريع.
*الحكم الذاتي في بلاد بنط وميناء( إيل ) والتي تعتبر المصدر الرئيسي للقرصنة.
*شركات الأمن الأوروبية الخاصة في الصومال, وهناك 3 شركات كبري أثبتت سيطرتها علي الكثير من أرجاء الصومال وهو ما يفسر التقنية العالية التي تعمل بها القراصنة في اختطاف السفن.
كل هذه الجهات تعمل تحت قيادة الولايات المتحدة وإسرائيل بمساعدة إثيوبيا وحلفائها .

والسؤال هنا لماذا الان؟ والإجابة هي:ـ
1) الحكومة الانتقالية الصومالية ضعيفة لذا فمن السهل الانقياد وراء الولايات المتحدة الأمريكية.
2) الولايات المتحدة نزيد السيطرة علي الصومال وقد فشلت فيما قبل.
3) أمريكا ومشروعها في الشرق الأوسط علي وشك الانهيار والفشل ، فبدأت تنطلق من المنطلق الإمبراطوري، فبدأت في احتلال البحر بدلا من البر، لأن هذا أقل تكلفة وأكثر نفعا والدليل علي ذلك أن المشروع الإمبراطوري الأمريكي للسيطرة علي البحار قد بدأ في الاكتمال فنجدها تمتلك مثلا:ـ
ـ قناة بنما.
ـ قواعد الخليج العربي.
ـ وجودها في القوات متعددة الجنسيات في سيناء.
ـ المغرب قبلت قيادة الافريكوم في جبل طارق.
ولم يتبقى في البحر إلا أجزاء بسيطة فتتحكم في كل ممرات العالم تقريبا بأقل تكلفة.

4ـ يشكل البحر الأحمر عصبا حيويا لإسرائيل وذلك في وجود إستراتيجية إسرائيلية تؤثر علي الدول الأفريقية عامة، وبخاصة مصر، وذلك لاعتبارات متعلقة بالخبرات التاريخية للصراع العربي الإسرائيلي وتوظيف أفريقيا ككتلة تصويتية إبان هذا الصراع كما تشكل منطقة القرن الإفريقي أهمية خاصة لإسرائيل لتحجيم فرص التعاون العربي الأفريقي علي النحو الذي جري في حرب أكتوبر من ناحية، والحصول علي ثرواتها الإستخراجية من ناحية أخرى حيث تحصل إسرائيل علي حصة معتبرة من ماس الكونغو، كما أنشأت عددا من الشركات البترولية في أفريقيا بغطاءات مناسبة وذلك بحسبان تمتع أفريقيا حسب الاونكاتاد { منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية } باحتياطات نفطية تصل إلي 80مليون برميل نفط. كما تحتكر حاليا تجارة المنتجات الغذائية في إثيوبيا ويقوم البحر الأحمر بوظائف اقتصادية حيوية في سياق هذه الاستراتيجية الإسرائيلية منها 20% من حجم التجارة الإسرائيلية الإجمالية فيه.
ويضاف إلي هذه الإستراتيجيات تمتع إسرائيل بأدوات مناسبة لتحقيقها فمن المعلوم أن أفريقيا تحتضن بين ظهرانيها جاليات يهودية متفاوتة الأحجام ومتباينة القوة والتأثير. ففي شمال أفريقيا جماعات من اليهود السفارديم الذين قدموا بالأساس من أسبانيا والبرتغال خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. إضافة إلي جماعات من اليهود الأشكناز التي قدمت إلي أفريقيا ممن شمال وشرق أوربا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وإذا كان حجم الجاليات خارج جنوب أفريقيا متواضعا فإن وضعها الاقتصادي في بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء مثل كينيا يتسم بالقوة والتأثير . وإذا كان يهود الفلاشا الإثيوبيين يمثلون واحدة من أفقر الجاليات اليهودية في العالم، فإن في المقابل الجالية اليهودية في جنوب أفريقيا تعد واحدة من أغني الجاليات اليهودية في العالم.ولقد استقر موقف مركز البحوث والتفكير الإسرائيلي علي أنه من غير المقبول أن يتحول البحر الأحمر إلي منطقة نفوذ عربي، وتوصي دراسات جامعة تل أبيب إلي ضرورة امتلاك غواصات مداها خمسة آلاف كيلو متر، بما يجعلها لا تحتاج للتزود بالوقود من ميناء إيلات إي باب المندب.
5ـ إثيوبيا باعتبارها دولة حبيسة، فإنها تسعي وراء الاستفادة من أي منفذ سواء أكان بتدخلها في الصومال أو بتشجيع حركات التمرد والانفصال في السودان، حيث لا تنسي أنها دولة بلا منافذ ساحلية بعدما انفصلت عنها إريتريا، لذا فمن مصلحتها التعاون مع كلا من إسرائيل والولايات المتحدة من أجل تحقيق بعض المكاسب التي فقدتها، وما كانت ظاهرة القرصنة لتكون لولا التدخل الإثيوبي الذريع في الصومال وإحداث الفوضى فيها، وربما دعم هؤلاء المرتزقة الصوماليين من أجل تحقيق أغراضها هي ومن خلفها.

تداعيات القرصنة علي مصر:ـ
مصر من أهم الدول المطلة علي البحر الأحمر والمتحكمة في منفذه الشمالي عبر قناة السويس، وهي الدولة الأكثر استفادة اقتصاديا منه في دعم اقتصادها من خلال تحصيل الرسوم من السفن المارة في قناة السويس والذي يفوق دخلها منها 4.6مليار دولار سنويا علي دخلها من البترول، كما أن البحر الأحمر يعني الكثير لمصر في علاقاتها الاقتصادية و السياسة مع الدول المطلة عليه سواء العربية أو الأفريقية. ويحظي البحر الأحمر في إستراتيجيتها الأمنية بأهمية قصوى لتأمين حدودها الشرقية التي غالبا ما تكون بوابة المستعمر إليها. كما أن البحر الأحمر شكل بالنسبة لمصر في إطار الصراع العري الإسرائيلي نقطة هامة في تصادم الإستراتيجيات والمصالح.
أعرب خبراء اقتصاديون مصريون عن قلقهم إزاء ما يحدث من أعمال القرصنة وتهديد أمن البحر الأحمر وتأثيره على إيرادات قناة السويس ، حيث أنخفض إيراد القناة نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية واتخاذ السفن لطرق أخري لتفادي القرصنة في خليج عدن. وقد أصدرت هيئة قناة السويس تقريرا أشارت فيه إلي انخفاض الحركة في القناة بنسبة 22%، وانخفاض الإيرادات بنسبة 25% تقريبا في شهر يناير 2009 ،لتصل إلي 332.4مليون دولار، مقارنة بـ 414.2 مليون دولار سجلتها في نفس الشهر من عام 2008، وذكرت تقارير أن ارتفاع نشاط القراصنة الصوماليين في خليج عدن الذي يتحكم بالمدخل الجنوبي لقناة السويس منذ شهر سبتمبر 2008 أثر علي حركة التجارة الدولية عبر القناة التي يمر فيها نحو 10% من حجم التجارة الدولية، و كانت هيئة قناة السويس طبقت زيادة في رسوم عبور السفن تراوحت بين
( 4% ـ 14% ) حسب حجم السفينة منذ أوائل أبريل 2008، وأكدت أنها لن تقوم بخفض رسوم عبور السفن كما كان متوقعا لمواجهة انخفاض حركة التجارة العالمية. وتكمن أهمية قناة السويس بالنسبة لمصر في ناحيتين : أولهما أنها مصدر للعملة الصعبة للبلاد وثانيهما إنها تدر علي الحكومة إيرادات هائلة.
قد استدعت الحرب علي القراصنة هواجس ومخاوف بعض القوي الإقليمية، فقد خشيت الدولة المطلة علي البحر الأحمر من تداعيات هذا الوجود العسكري المكثف علي سيادتها وأمنها ومصالحها الإستراتيجية، حيث أثار بعض المحللون احتمالات تدويل أمن منطقة البحر الأحمر، وهو مطلب إسرائيلي قديم يهدد كون البحر الأحمر بحيرة عربية،وبناء علي هذه التحليلات تقدم القرصنة فرصة ذهبية للقوي الدولية المؤيدة لإسرائيل لتقليص سيطرة العرب علي البحر الأحمر. وأكدت د أماني الطويل ـ خبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام ـ أن أهم الخطوات اللازمة الآن هو التعاون الإقليمي لضمان أمن البحر الأحمر لأن مصر تواجه الآن عدة تحديات وهي عسكرة للمر المائي الهام لها أمام غياب عربي كامل وعدم وجود رؤية عربية واضحة، وأوضحت المحددات الأساسية لبناء منظومة أمن إقليمية للبحر الأحمر وربطها بالتحديات الدولية:ـ
*التدخل بين الأمن القومي والدولي.
*الصراع الدولي علي أفريقيا.
*إعلان أمريكا رسميا أن أفريقيا أمن إستراتيجي أمريكي.
*المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر ويصل حجم تجارتها عبر البحر لاحمر 20%.
*استراتيجية واستثمارات إسرائيل في أفريقيا التي تتمثل في تجار الماس واحتكار إسرائيل للصناعات الغذائية في إثيوبيا.
ـ ثمة تشابه بين الحرب علي الإرهاب والحرب علي القرصنة، ففي الحالتين استغلت القوي الدولية تهديدا نابعا من الشرق الأوسط والقرن الأفريقي لتكثيف وجودها العسكري الدولي بالقرب من منابع النفط، ووصل الأمر إلي احتلال دول وممرات بحرية دولية لتأمين مصالحها الإستراتيجية تمهيدا لفرض ترتيبات محلية وإقليمية ودولية جديدة تخدم تلك المصالح في ظل تهاوي وفشل دول كالعراق وأفغانستان والصومال.
لقد تغيب فكر المواطن المصري والعربي عن أطماع إسرائيل في البحر الأحمر الذي يعتبر بحكم موقعه بين الأردن والسعودية واليمن والسودان والصومال وجيبوتي وكذلك مصر، بحيرة عربية كون الدول المذكورة تحيط بأكثر من 90% من شواطئه وتتمثل أطماع إسرائيل في البحر الأحمر بتخفيف أثر المقاطعات العربية لها من جهة واستخدامه في أغراضها العسكرية وأهدافها الاقتصادية كممر لتجارها مع الدول الأفريقية والأسيوية والمنطقة الاستوائية من جهة أخري.
ولا يغيب عن أراء الفنيين والعسكريين أهمية هذا البحر للأمن العربي بصفته شريانا استراتيجيا حيويا للمواصلات البحرية العربية الداخلية والخارجية، وتشمل قضية البحر الأحمر خليج العقبة ومضايق تيران ومضيق السويس ومضيق باب المندب في هذا المجال لا بد من التفكير بما قاله الدكتور عبد الله عبد المحسن السلطان في كتابه: " البحر الأحمر والصراع العربي الإسرائيلي" بدأت إستراتيجية إسرائيل حيال البحر الأحمر عام 1949 فاحتلت في 10/10/1949 بقعة علي شاطئه وأطقت عليها اسم إيلات في 25/6/1952. وخلال حرب 1956 مع مصر وعام 1967 مع الدول العربية مصر وسوريا والأردن احتلت سيناء ومضائق تيران ومنطقة شرم الشيخ المطلة علي المضائق المذكورة وتحكمت بها" وخلال الفترة 1970 ـ 1971 أدركت سوريا والعديد من الدول العربية مطامع إسرائيل في البحر الأحمر وبخاصة في جزر حالب ودهلك، وحزرت جامعة الدول العربية آنذاك من الوجود الإسرائيلي في منطقة أبو الطير وحالب ودهلك بموافقة الدولة الإثيوبية.
لقد وصف بن غوريون ـ أول رئيس لإسرائيل ـ ميناء إيلات كمنفذ علي البحر الأحمر بأنه" موت أو حياة لإسرائيل" كما وصفه(موشي ديان ) وزير الحرب في إسرائيل في السبعينيات 1975 بأنه بوابة لأسيا وأفريقيا تتاجر إسرائيل من خلاله.
يضاف إلي كل ذلك احتلال إسرائيل عددا من الجزر ذات الموقع الاستراتيجي في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر بشكل مباشر أو غير مباشر كالتأجير والإعارة من إثيوبيا، وذلك لاستخدامها في التجسس علي البلدان العربية وتقليل النفوذ الاستراتيجي العربي، ويتبلور ذلك في النشاط المعادي للعرب في كل من إريتريا والصومال والسودان واليمن وجيبوتي.
لذا لا بد أن تفيق مصر من غفلتها ، وأن تعيد النظر بسياستها المفقودة لكي تحقق ما تسميه بـ " الأمن القومي المصري" لكي لا يصبح قولا من فراغ، أو مجرد طائر من ورق كما حدث بغيرنا من الشعوب.



المبحث الثاني
تهديد الأمن المائي والغذائي القومي المصري.

في تقرير لمركز الأرض بعنوان " المياه في مصر بين واقع أليم ومستقبل خطير" أشار إلي أن الحجم الكلي للمياه علي وجه الأرض يقدر بحوالي 1360مليون متر مكعب، وأن 97% من هذا الحجم موجود بالبحار والمحيطات و2% مجمد في الطبقات الجليدية وبذلك فلم يبق غير 1% موزع علي الأنهار والمسطحات المائية الداخلية غير المالحة والتي يحتاجها الإنسان في تلبية حاجاته إلي الشرب والري والصناعة.
ويؤكد التقرير أن منطقة الشرق الأوسط والشمال الإفريقي هما من أكثر مناطق العالم تعرضا لنقص المياه البالغ 40% للشخص الواحد وسترتفع النسبة إلي 80% في عام 2025 حيث ستبلغ حاجة الفرد إلي 6670مترا مكعبا في السنة بعد أن كانت تقدر بـ 3430 مترا مكعبا في 1960، ويبين التقرير النسب المختلفة لاستخدام المياه في مصر حيث يستخدم لري الأراضي الزراعية نحو 49.7مليار متر مكعب يضيعون من إجمالي موارد مصر المائية ، وأن 3.1 مليار متر مكعب يتم استخدامه في المنازل، 4.6مليار متر مكعب يتم استخدامه في الصناعة، وأن 2.8متر مكعب لضمان احتياجات الملاحة و الكهرباء أثناء السدة الشتوية،وحوالي 23مليار متر مكعب يضيعون فاقد بالبحر من شبكة الري، وتشير التقارير العلمية إلي أن استهلاك الفرد في مصر من المياه بلغ في المتوسط 140لترا يوميا، وأن القاهرة وحدها تستهلك ما يعادل 57% من جملة استهلاك مدن مصر مجتمعة و46% من جملة استهلاك القطر كله.
من المعلوم وفقا لأحدث الدراسات العالمية أن حد الفقر المائي الدولي هو 1000متر مكعب سنويا للفرد الواحد حيث تبدأ المشاكل في الظهور عندما تتضاءل حصة الفرد عن هذا الحد، والحقيقة أن مصر قد دخلت تلك المرحلة فعليا حيث أن الدخل المتوسط لكل مواطن مصري يتراوح من 840 إلي 850 متر مكعب سنويا لكل مواطن علي اعتبار أن عدد سكان مصر من 69 إلي 70مليون نسمة فيما كان سابقا، ولقد دخلنا بالفعل دائرة الفقر المائي حيث وصل العجز المائي حوالي 16مليار متر مكعب الذي يمثل عجزا شديدا ولقد وصلت التقديرات الأولية عن احتياجات مصر عام 2005 إلي ما بين 76 إلي 80 مليار متر مكعب سنويا لاعتبارات الزيادة السكانية والتنمية الزراعية والصناعية.
وإذا وضعنا في الاعتبار أن هناك 1661 مليار متر مكعب من الأمطار تسقط علي الهضبة الاستوائية والإثيوبية وكثير من الروافد والبحيرات المختلفة لا يصل منها إلي السودان إلا 83مليار متر مكعب سنويا ولا يدخل منها عن طريق أسوان إلا 55.5 مليار متر مكعب سنويا، فذلك يعني أن مصر لا تحصل إلا علي 4.4% فقط من إجمالي كمية الأمطار، مع الوضع في الاعتبار فقدان قدر هائل من مياه النيل سواء عن طريق التبخر أو التسرب إلي المستنقعات أو إلي عدم القدرة علي الاستغلال الأمثل لاعتبارات تقنية.

الأطماع الإسرائيلية في المياه المصرية:ـ
من المعروف أن إسرائيل تتخذ استراتيجيتها في السيطرة علي مصادر المياه العربية وسرقتها خطوة خطوة، ولا تسقط من حساباتها أبدا مياه نهر النيل بهدف التوسع وجلب المستوطنين الجدد. ولقد ظهرت نياتها واضحة تجاه مياهه بعد اتفاق كامب ديفيد بكل بساطة . فقد كتب مهندسيها المائيين إليشع كالي في هذا الخصوص:ـ
" قبل آلاف السنين جذبت مصادر مياه نهر الأردن سبط وان الإسرائيلي، وكانت سببا للحرب، لكن مياه نهر النيل جذبت يعقوبا وأبناءه إلي مصر خلال القحط في أراضي كنعان وكانت سببا للاتفاق. وقديما كان الحل التقني لمشكلات اختلال التوازن بين المناطق الوفيرة المياه والمناطق لقليلة المياه يتمثل في انتقال الناس إلي المياه.واليوم يكمن الحل التقني لهذه المشكلات بنقل المياه إلي الناس" . ويقول هذا الاختصاص في المياه إن مشاكل إسرائيل المائية يمكن حلها ولفترة طويلة باستخدام 1% من مياه النيل، أي ما يعادل 800مليون متر مكعب من أصل 80 مليار متر مكعب إيراد النهر بأكمله.
لقد أغري الرئيس السادات رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيجن أثناء مفاوضات السلام في كامب ديفيد عام 1979 بمد إسرائيل بالمياه من نهر النيل لتصل إلي النقب والقدس بهدف بناء المستوطنات،في حال تساهله وإيجاد حلول لمشكلة القدس والمستوطنات إلا أن رد (بيجن) تمثل بالفصل بين الموضوعين أحدهما عن الآخر. حيث أن تحقيق هذا يقود إلي مضاعفة الارض الزراعية الإسرائيلية 20 ضعفا علي الأقل والحصول علي 210ألف هكتار جديد في منطقة النقب وبالتالي مضاعفة سكان إسرائيل عدة مرات. حيث تحاول إسرائيل من خلال تعاونها مع إثيوبيا إنشاء 26سداعلي نهر النيل الأزرق لري 400ألف هكتار وإنتاج 38مليار كيلو واط من الطاقة الكهرومائية الأمر الذي سيحرم مصر من خمسة مليارات متر مكعب من المياه ،كما أوضحنا سابقا فإن الطلب علي المياه يزداد باستمرار مع تزايد الفجوة بين طلبه وعرضه مما يزيد حجم العجز المائي فيها إلي أكثر من 21مليار متر مكعب.
كذلك تحاول السودان تحقيق خطط التنمية الزراعية من خلال مشاريع الري المختلفة فيها، وإذا نفذت إثيوبيا خططها في بناء السدود الستة علي نهر النيل فلا بد من ظهور الإشكاليات مع إثيوبيا والدول الأخرى المشاطئة لهذا النهر.
لم تعد إثيوبيا تتستر علي إشراك الكيان الإسرائيلي في مشاريع حوض النيل إذ أكد وزير الري الإثيوبي ( شفراو جارسو) التعاون بين إثيوبيا والكيان في مشاريع حوض النيل في تصريح له في ختام الاجتماع الوزاري التاسع لوزراء الري والمياه للدول العشر في الحوض الشرقي لنهر النيل ـ المنعقد في القاهرة بتاريخ 12/1/2002.
لقد شهدت نهاية عقد التسعينات تحركا خطيرا لتغيير القواعد القانونية الدولية المعمول بها في إطار توزيع مياه الأنهار، فدخلت مفاهيم جديدة كلية، مثل تسعير المياه ، وإنشاء بنك بورصة للمياه. وقد قام التحرك علي أساس الأفكار الأمريكية وأفكار البنك الدولي، وتنظر النخبة السياسية المصرية إلي التحركات الأمريكية في منابع النيل بحذر شديد، لأنها ترتبط بدعم الأهداف الإسرائيلية، أما طروحات البنك الدولي فلا تجعله طرفا محايدا في أزمة المياه، لأنه يتبني وجهات نظر بعض الأطراف مثل إسرائيل وتركيا وإثيوبيا ويهمل وجهة نظر الأطراف العربية.
ويلبي هذا الطرح احتياجات كل من تركيا وإثيوبيا وإسرائيل علي حساب الحقوق التاريخية المكتسبة للدول العربية في أحواض النيل ودجلة والفرات، بحيث يكون الحل الوحيد أمام الدول العربية لتجنب الحروب حول المياه، هو اضطرارها لقبول نقل خزين مياهها لإسرائيل، وإلا تعرضت هي نفسها لانتقاص حقوقها المائية ، ويكون مقتضى هذه الصفقات دخول إسرائيل فاعلا أصيلاً في مشروعات تنمية موارد الأنهار الكبرى في المنطقة من خلال تحالفها المائي مع دول المنابع التي تستلزم في هذه الحالة بالربط بين نقل المياه لإسرائيل وبين التعاون مع دول الممرات والمصبات.
تحاول إسرائيل الاستيلاء علي المياه المصرية بكافة الطرق، حيث قامت بحفر أبار جوفية بالقرب من الحدود المصرية، ومشروع (اليشع كالي) ويقضي بنقل مياه النيل إلي إسرائيل، وتنقل هذه المياه عن طريق سحارة أسفل قناة السويس، ومشروع (يؤر) لنقل مياه النيل إلي إسرائيل عبر شق ست قنوات تحت مياه قناة السويس، وبإمكان هذا المشروع نقل مليار متر مكعب لري صحراء النقب منها 150مليون متر مكعب لقطاع غزة مما سيؤثر علي مواردنا المائية المستقبلية, إضافة إلي تحركات إسرائيل في هضبة البحيرات ( التي تمثل 15% من إيرادات النيل ) عبر مجموعة من الخطوط المتكاملة وتعتمد السياسة الإسرائيلية علي استخدام وتوظيف مجموعة متكاملة من الآليات وأساليب الحركة السياسية في المنطقة تشمل:ـ
ـ الاعتماد علي الدور الأمريكي_ كما سبق إن ذكرنا_ .
ـ توظيف التناقضات العربية الأفريقية.
ـ العلاقات التجارية.
ـ توظيف الصراعات العرقية
ـ التدخل عبر المساعدات الإنسانية
ـ النشاط العسكري مع دول المنطقة.

لقد أشار تقرير مركز الأرض ـ السابق ذكره ـ إلي ثلاث قضايا كبري هي:ـ
1ـ القضية الأولى : تتعلق بتسعير المياه، وهنا يمكن رصد تيارين رئيسيين ، الأول : يمثله التيار الداعي إلي معاملة مياه نهر النيل كسلعة يمكن بيعها ونقلها إلي أي دولة خارج الحدود الجغرافية للحوض. ويتبين هذا الطرح دول المنبع التي تري في قطرة المياه سبيلا في الثراء بنفس القدر التي تحققه قطرة البترول، أما التيار الثاني : فهو التيار المعارض لفكرة بيع المياه أو نقلها خارج حدود الحوض الجغرافي ، وتقود هذا التيار الحكومة المصرية. ويستند أصحاب هذا التيار إلي أن هناك اتفاق كاملا بين دول حوض نهر النيل العشرة يقضي بعدم بيع أو توصيل مياه النيل إلي خارج دول الحوض،وقد دعم هذا الاتجاه كل من مصر والسودان .
2) القضية الثانية : وهى آلية المراقبة على المشروعات المائية المنفردة ن فقد رسخت اتفاقية عام 1929 مبدأ وآلية للمراقبة المصرية على مشروعات المياه فى دول الحوض , تمثل فى ضرورة عرض المشروعات على الجانب المصري ودراستها للتأكد من عدم الإضرار بحصة مصر من المياه مستقبلاً ,تلك الآلية اعتمدتها الهيئات الدولية المانحة كالبنك الدولي ، ولكن تظل حالات الرفض لهذا الحق المصري مستمرة ، حيث تُصر العديد من دول الحوض على أهمية عدم قبول الفيتو المصري ومحاولة ترسيخ واقع جديد ، وذلك عبر القيام بمشروعات مياه بشكل منفرد .
3) القضية الثالثة : ترتبط بإعادة توزيع حصص المياه ، حيث تفجرت مرة أخرى ، وبقوة في اجتماع نيروبي عام 2004 ، وذلك بعد أن أطلقت برلمانات كل من كينيا وتنزانيا وأوغندا في ديسمبر من عام 2003 دعوتها الخاصة ، بضرورة إعادة النظر فى توزيع حصص مياه النيل وعدم الاعتراف بالاتفاقيات التاريخية المنظمة للعلاقة بين دول المنبع ودولة المصب .

هذه القضايا الثلاث تشكل تهديدا حقيقيا علي الأمن المائي المصري، فمن محاولة لتسعير المياه، إلي مشروعات صهيونية بأيدي إثيوبية، إلي محاولة لإعادة توزيع حصص المياه، . ..وغيرها من المحاولات التي تدفع بها إسرائيل وأمريكا من خلال التغلغل في عقول أنظمة هذه المنطقة .
إن أمن مصر المائي تعرض للخطر وتزداد الخطورة يوميا لما يحدث في السودان من تطورات والاصابع الصهيونية الامريكية التي تعبث في شؤون هذا البلد . حيث تشكل محاولة تفكيك السودان تهديدا علي الامن المائي المصري حيث بشكل عام يمكن إيجاز المخاوف المصرية من فصل الجنوب في ثلاثة أشياء هي:ـ
1ـ الانفصال معناه تحويل جزء من امتداد الأمن القومي المائي المصري بعيدا عن السيطرة المصرية، بما يعنيه ذلك من فتح الباب لسيطرة وتدخل إسرائيل أو حتى دول أخري محاورة معادية للمصالح المصرية، بحجة تقديم المساعدة للدول الجديدة.
2ـ الانفصال معناه تهديد حصة مصر من مياه النيل والبالغة 55 مليار متر مكعب، مقابل 18متر مكعب للسودان، خصوصا أن حركة التمرد تتحفظ علي الحصة المصرية الكبيرة،وتطلب اتفاقا جديدا، كما أنها تريد بيع مياه النيل والاستفادة منها علي غرار ما تفعله تركيا، ولا ننسي هنا أن زعيم حركة التمرد " جون جارانج" نال درجة الدكتوراه من جامعة " أيوا" الأمريكية عام 1981 عن " أثر قناة جونجلي علي المواطنين المحليين"
3ـ هناك قلق مصري من انجراف الخرطوم في الانصياع للخطط الأمريكية والتنسيق مع واشنطن فيما يتعلق بالجنوب، بما يعنيه من تجاوز لدور مصر، وابتعاد تدريجي بين البلدين، خصوصا أن العلاقات ما تزال متوترة نسبيا بينهما. ومبعث القلق أن الوجود الإسرائيلي يحل أينما كان الوجود الأمريكي.

تهديد الأمن الغذائي المصري:ـ
إن تهديد الأمن المائي يتبعه تهديدا للأمن الغذائي، حيث أشار تقرير لمركز " الأرض بعنوان" " تداعيات الأزمة المالية العالمية علي الغذاء في مصر" بتاريخ 22 مارس من عام 2009، إلي أن استمرار انخفاض خصوبة الأراضي، والتغيير المناخي، وشح المياه الأزمة للزراعة انخفضت منتجات المحاصيل الزراعية في مصر بشكل مستمر، ومن جانب آخر، ارتفعت الواردات الزراعية بسبب زيادة عدد السكان والطلب المتزايد عليها، ما أدي إلي زيادة الواردات الزراعية وفقد " السيادة الغذائية" علي نحو مستمر.
وشدد التقرير علي أن القطاع الزراعي يعد من القطاعات الرئيسية في الاقتصاد المصري باعتباره قطاعا مسئولا عن تحقيق الأمن الغذائي، ومصدرا رئيسيا لتوفير مدخلات القطاعات الإنتاجية والخدمية الأخرى، بالإضافة إلي دور الصادرات الزراعية في تحسين ميزان المدفوعات، كما أنه يستوعب حوالي 34% من الأيدي العاملة.
وحذر التقرير من ان الأزمة الغذائية في مصر تطورت تبعا لمعدلات نمو الإنتاج والطلب الاستهلاكي علي المنتجات الغذائية وأصبح هناك شبه إجماع علي أنها قد وصلت إلي حد حرج تجلي في تنامي الاعتماد علي المصادر الخارجية لإطعام المواطنين، وتدهور نصيب الفرد من الناتج الزراعي، وتراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي.
في ندوة عقدت في يناير عام 2000 قدم وزير الموارد المائية والري بيانات تشير إلي أن الاستهلاك المائي المصري لأغراض الزراعة سوف يرتفع من 52.13مليار متر مكعب عام 1997 إلي 67.13مليار متر مكعب عام 2017 بنسبة زيادة قدرها 28.8% خلال الفترة المذكورة، كما سيرتفع الفاقد المائي الناجم من التبخر من النيل قدرها 9.5% خلال الفترة المذكورة نتيجة شق ترع جديدة، كما سيرتفع الاستهلاك المائي للأغراض المنزلية أي لأغراض الشرب والاستخدامات الصحية من 4.54 مليار متر مكعب عام 1997 إلي 6.60مليوار متر مكعب عام 2017 بنسبة زيادة قدرها 45.1% خلال الفترة المذكورة. أما بالنسبة للاستهلاك المائي المصري للأغراض الصناعية فإنه سيرتفع من 7.42 مليار متر مكعب عام 1997 إلي 10.56 مليار متر مكعب عام 2017 بنسبة زيادة قدرها42.3% خلال الفترة المشار إليها.
وهكذا فإن الاحتياجات المائية الإجمالية لمصر سترتفع من 66.34 مليار متر مكعب عام 1997 إلي 86.74 مليار متر مكعب عام 2017 زيادة مقدارها 20.4مليار متر مكعب وبنسبة زيادة قدرها 30.8% خلال هذه الفترة.
وتعتبر الزيادة في الاحتياجات المائية للأغراض المنزلية أي الشرب والأغراض الصحية هي زيادة في خدمات مياه الشرب النقية إلي كل موقع في مصر، أي أنها زيادة ضرورية للغاية وتكاد تكون عديمة المرونة أي لا يمكن تخفيضها إلا علي حساب الصحة العامة، إلا في حدود ترشيد استخدامها وتقليل المهدر منها في شبكات التوصيل وفي الاستخدام.
أما الزيادة في الاحتياجات المائية للأغراض الصناعية فإنها بدورها ضرورية للغاية لأن التنمية الصناعية هي وحدها الطريق لتطوير مصر وتحويلها إلي دول صناعية متقدمة، كما أن العائد من الاستخدامات الصناعية للمياه أعلي كثيرا من العائد من الاستخدامات الزراعية.
وتبقي الاحتياجات المائية للزراعة والتي تشير البيانات التي أوردها وزير الموارد المائية والري إلي إنها ستزيد من 52.13مليار متر مكعب عام 1997 إلي 67.13مليار متر مكعب أي بزيادة مقدارها 15مليار متر مكعب.
إن هذه الزيادة الموجودة في الاستهلاك المائي الزراعي من قبل وزير الموارد المائية والري تتباين بشكل كبير من الاحتياجات المائية الإضافية نتيجة مشروعات التوسع الزراعي الأفقي والتي أعلنت عنها وزارة الموارد المائية والري بشكل رسمي. فإن جملة مساحة الأراضي التي تتضمنها مشروعات التوسع الزراعي الأفقي حتى عام 2017 تبلغ 3.54 مليون فدان ثم أمد 363.7ألف فدان منها بالمياه فعليا، ويتبقى نحو 3.18مليون فدان منها 1.49مليون فدان في الأراضي الجديدة شرق وغرب الدلتا، ونحو 73ألف فدان في مناطق متفرقة بوسط الدلتا وجنوب الوادي، إن المساحة المتبقية التي تشير بيانات وزارة الموارد المائية والري إنها ستستصلح وتزرع حتى عام 2017 وتبلغ نحو 3.18مليون فدان تحتاج لنحو 27مليون متر مكعب.
وهذا يعني أن الاحتياجات المائية المستقبلية لمصر في حالة تنفيذ مشروعات التوسع الأفقي المخططة حتي عام 2017 سترتفع إلي 98.74 مليار متر مكعب وليس إلي 86.75مليار متر مكعب كما تشير البيانات المأخوذة عن وزارة الموارد المائية والري.
وتجدر الإشارة إلي أن هناك ضرورة للتوسع الزراعي الأفقي والراسي في مصر نظرا لأن الإنتاج الزراعي المصري لا يكفي الاحتياجات المصرية من السلع الزراعية، وهو ما يجسد في العجز المصري في تجارة السلع الزراعية والذي بلغ نحو 3208 مليون دولار عام 1998. والاهم من رقم العجز التجاري الزراعي المصر، هو مكونات هذا العجز والتي تتمثل في االسلع الزراعية بالأساس حيث بلغ العجز التجاري المصري في السلع الزراعية الغذائية والحيوانات والزيوت والحيوانات والنباتات ـ بدون الأسماك ـ نحو 3015 مليون دولار عام 1998, علما بان العجز التجاري الإجمالي لمصر في العام المذكور بلغ نحو 13036 مليون دولار. أي أن العجز التجاري المصري في السلع الزراعية الغذائية ـ بدون الأسماك ـ شكل نحو 23.4% من إجمالي العجز التجاري المصري في عام 1998.
وعلي الصعيد الكمي، بلغ حجم واردات مصر من الحبوب نحو 10.6ملايين طن عام 1998 منها نحو 7.5 مليون طن قمح، ونحو 3ملايين طن من الذرة في حين أن إجمالي واردات مصر من الحبوب لم يكن يتجاوز نحو 7.8ملايين طن عام 1991، ونحو 6ملايين طن عام 1980. وهو ما يشير إلي التفاقم المستمر لوضع عدم كفاية إنتاج الحبوب للاستهلاك المصري المتزايد منها.
وكل هذه البيانات السابقة تؤكد الحاجة الماسة في مصر للتوسع الزراعي الأفقي والراسي لسد جانب من الفجوة الغذائية القائمة وبالذات في السلع الأساسية مثل الحبوب التي كثيرا ما تستخدم كسلاح ضغط علي الدول التي تستوردها ، خاصة إذا كانت تمول استيرادها بالقروض أو المنح كما هو حال مصر.


الخاتمة

إن العبث بأمن مصر سواء الداخلي أم الخارجي أصبح أمرا لا مراء فيه، فما نراه الآن دليل علي أن مصر تسير في طريق الخطر ووسط المجهول، فمن خطر يداهمها عند منابع النيل إلي خطر يتربص بها عند حدودها الجنوبية مع السودان، فضلا عما يحدث من تهديد لأمن البحر الأحمر مما يؤثر علي اقتصادها وكذلك ما مرت به من قبل من أحداث تفجيرات طابا وشرم الشيخ، كل هذه الأحداث دليل علي اختراق لأمن مصر الداخلي والخارجي.
أما الآن ووسط هذه المخاطر،والتشابك تطفو لنا علاقة حية جديدة، وهي علاقة أساسها وهدفها هو إضعاف مصر والقضاء عليها، لقد وضحت العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية كالشمس في عنان السماء، وكشفت لنا العلاقة بين هاتين الدولتين عن العديد من التحديات التي تصوب تجاه مصر، فمن تحدي المياه الذي يسعي إلي تحويل مصر إلي واحة مفقودة وسط الصحراء إلي تحدي الأمن الاقتصادي الذي يرمي إلي تدمير الاقتصاد المصري وتحقيق مجاعة كبري في مصر.
هذه المخاطر ما كانت لتحدث لولا تدخل القوي الكبري والأولى ألا وهي الولايات المتحدة لامريكية التي تسعي دائما نحو زعزعة الاستقرار والأمن في المنطقة العربية برمتها بهدف تحقيق مصالحها هي وحلفائها. فقد سعت بكل الطرق لتدمير دولة إسلامية فقيرة مثل الصومال، وكذلك سعت لتفكيك دولة السودان، والآن تسعي إلي تفكيك بل وتفتيت كل دول المنطقة، عن طريق إشاعة الفتن الطائفية والضرب علي وتر الصراعات والخلافات العرقية ، ومن ثم تشجيع إقامة دول صغيرة فقيرة هشة من السهل السيطرة عليها.
وليست مصر ببعيدة عن هذا الفخ الصهيوني الأمريكي، إلا أن مصر ليست غافلة عما يحدث ولكن من الملحوظ امام الجميع تراجع دور السياسة الخارجية المصرية مما سمح لبعض الحركات المتطرفة في جنوب مصر إشاعة الفوضى والنظرة الانفصالية مثل حركة " كوش " النوبية، والتي تهدف إلي انفصال جزء من مصر يكون خاص بأهل النوبة، وقد قابلت مصر هذه الحركة بسياسة الترغيب والترهيب، وذلك سعيا وراء تحقيق أمن داخلي حتي يتحقق الأمن الخارجي.
الشعور بالأمن في هذه الأجواء من الصعب تحقيقه، وثمنه غالي، ليت العالم يشعر بالامن والأمان، فمن منا اليوم يشعر بالأمن؟! القلة القليلة ولكن يظل الأمن موجود ، ويظل الامن موجود طالما بقيت مصر آمنه ولا ننسي قول الحق جل وعلي:ـ
" ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"


المراجع
1ـ د/ عبد الوهاب الكيالي، الموسوعة السياسية، الطبعة الثانية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1985.
2ـ د/ ظافر محمد العجمي، أمن الخليج العربي" تطوره وأشكاله"، الطبعة الأولى مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2006.
3ـ د/ عزت عبد الواحد، أمن الخليج العربي في التسعينات: دراسة للسياسات الأمنية لكل من السعودية والكويت والإمارات، الطبعة الأول، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهرة، 2008.
4ـ د/ رفعت سيد أحمد ، الصراع المائي " الابعاد الكاملة للصراع حول الماء بين العرب وإسرائيل" الطبعة الاولي، دار الهدي للنشر والتوزيع، القاهرة ، 1993.
5ـ د/ أدوراي ديفس , أنطونيا ماركس، السياسة المائية الإسرائيلية ، الطبعة الثانية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1986
6ـ د/ محمد شلبي ، المنهجية في التحليل السياسي، الطبعة الأولي، بيت الحكمة للإعلام والنشر والتوزيع ، القاهرة، 1998.
7ـ د/ محمود محمد خليل، أزمة المياه في الشرق الاوسط، الطبعة الاولي، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1998.
8ـ د/ عمر الايوبي ، التسليح ونزع السلاح والا/ن الدولي، الطبعة الاولي، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت، 2007.
9ـ د/ أمل حمد علي العليان، الامن المائي العربي، الطبعة الأولي، دار العلوم، الرياض، 1996.
10ـ د/ محمود الاشرم ، اقتصاديات المياه في الوطن العربي، الطبعة الأولي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001،
11ـ د/ أحمد السيد النجار، المياة والزراعة في مصر، الطبعة الاولي، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2000.


Websites:

- http://somaliatodaynet.com/news/index.php?option=com_content&task=view& id=3464&itemid=32
date: 10/2/2009 time:9:10 a.m
- http://www.aljazeera.net/NR/rxeres/10Aodac8-12be-45f2-83dd-1baa5e785c27-htm
date: 10/2/2009 time:9:30 a.m
- http://www.3ashq.com/vb/agowthread.php?p=71760
date: 10/2/2009 time:10:00 a.m
http://www.brbrnet.net/vb/showthread.php?t=9401
date: 19/2/2009 time:12:30 p.m
http://www.alitthad.com/peper-php?name=news&file=artucle&sid=22433
date: 19/2/2009 time:6:00 p.m
http://www.alarabiys.net/save_prit.php?save=1&cant_id=46913
date: 19/2/2009 time:5:30 p.m
http://icfsthink.org/arabic/Activitities/Htm/framework.aspx?long=arid=86
date: 19/2/2009 time:6:00 p.m
http://www.hdrmut.net/vb/t113954.html.
date: 16/4/2009 time:10:00 a.m
http://www.ahewae.gor/debat/show.art.asp?aid=37197
date: 16/4/2009 time:11:30 a.m

http://www.felesteen.ps/Index.php?action=showwritesid=1661
مقال لـ أ/ خالد وليد محمود بعنوان " العلاقات الإسرائيلية الإثوبية بتاريخ 16/10/2007
date: 19/2/2009 time:10:40 a.m
http://www.alarabiya.net/articles/2004/06/01/3927.html
مقال لـ أ/ خالد عويس بعنوان" إسرائيل وإثيوبيا كارثة علي العرب" بتاريخ 1/6/2004
date: 19/2/2009 time:6:00 p.m
http://www.islsmonline.net/servlet/satellite?=Articlea_c&cid=11705/4795896&pagename=Zone-arabic-news%2fnwAlayout
مقال لـ د/ أحمد تهامي عبد الحي بعنوان " هضبة البحيرات . . ملعب مياه إسرائيل"
date: 19/2/2009 time:5:20 p.m
http://198.65.147.197/arabic/news/2001-01/01/articleg.shtml
مقال لـ د/ محمد الصالح بعنوان" جسور الموساد في إثيوبيا تهدد مصر والسودان" بتاريخ 31/12/2000
date: 19/2/2009 time:10:50 a.m
http://www.almasry -alyoum.com/articles.aspx?ArticleID=IssueId=1235&187770
مقال لـ أ/ جهاد عودة بعنوان" مبارك وتجديد رؤية العالم" بتاريخ 25/11/2008
date: 19/2/2009 time:11:30 a.m
http://www.alarab.com.qa/details.php?dactd=75136&issueNo=439&secId=15
مقال لـ د/ شريف عبد الغني بتاريخ 7/3/2009
date: 16/4/2009 time:10:00 p.m
http://www.copts-united.com/08_copts-united_08/nrep-php/2009/01/16/15663.html
مقال لـ أ/ مايكل فارس بعنوان" حماية البحر الأحمر من القرصنة" بتاريخ 16/1/2009

date: 19/4/2009 time:12:30 p.m
http://somaliatoday.com/nrws/index.php?option=com_cantent&task=view&id=3464&utmid=32.
مقال أ/ ريهام البربري بعنوان" القرصنة مصدر تهديد لمصالح مصر الاقتصادية" بتاريخ 30/3/2009
date: 16/4/2009 time:12:14 a.m
http://www.aljzeera.net/nr/exeres/af48f23B_EOF8-4237-A2EF-68308BF94266.htm
مقال عن مركز الجزيرة للدراسات بعنوان" تداعيات القرصنة علي مصر" بتاريخ 24/2/2009
date: 16/4/2009 time:12:40 p.m
http://www.alarabiys.net/save_prit.php?save=1&cant_id=62273
مقال لـ د/ عبد العزيز شادي بعنوان " مكافحة القرصنة في القرن الإفريقي وهواجس الأمن القومي العربي" بتاريخ 18/12/2008
date: 16/4/2009 time:1:45 p.m
http://alakhbar.sd/sd/index.php?option=com_content&task=view&id=3686&itemid=284
مقال لـ د/ أماني الطويل بعنوان " الزوارق الإسرائيلية في البحر الأحمر . . ماذا بعد؟" بتاريخ 29/1/2009
date: 16/4/2009 time:2:00 p.m
http://anhri.net/egypt/Ichr/2008/pr0907.shtml
تقرير لـ " مركز الأرض بعنوان المياه في مصر بين واقع أليم ومستقبل خطير "
date: 18/4/2009 time:9:00 a.m
http://anhri.net/egypt/Ichr/2009/pr0322.shtml.
تقرير " مركز الأرض" بعنوان " تداعيات الأزمة المالية العالمية علي الغذاء في مصر" بتاريخ 22/3/2009
date: 18/4/2009 time:9:30 a.m
http://www.al-araby.com/docs/article2172180430.html.
مقال لـ د/ حسن حنفي ، من جريدة العربي العدد 1153 بتاريخ 13/4/2009
date: 18/4/2009 time:11:00 a.m
http://rai_rim.com/ rai_rim/modules.php?name=news&file=article&sid=241
مقال عن : مركز الرأي والإعلام الموريتاني بعنوان" خواطر حول الأمن القومي المصري" بتاريخ 8/5/2006
date: 18/4/2009 time:11:35 a.m
http://alismailaia.com/home/mqlat/15158.html.
مقال لـ د/ عبد المنعم سعيد بعنوان " الأمن القومي المصري" بتاريخ 15/2/2009
date: 18/4/2009 time:11:45 a.m
http://www.alshaab.com/news.php?I=15494
مقال لـ د/ محمد السخاوي بعنوان " أمن مصر أم أمن وبقاء الحزب الوطني؟ " بتاريخ 19/1/2009
date: 18/4/2009 time:1:00 a.m

‏ليست هناك تعليقات:

أنا و أنت من فصيلة دم واحدة